رشيد صفـَـر
ترتبط المملكة المغربية تاريخيا بسكان المنطقة التي تُعرف اليوم بدولة الجزائر، منذ العصور الإسلامية. فقد كان المغرب قبل ظهور الجزائر مركزا حضاريا مهما في المنطقة المغاربية، وقبل أن تتعرض الجزائر للغزو العثماني، ثم الاستعمار الفرنسي، كانت الجزائر جزء من الإمبراطوريات الإسلامية التي حكمت بلاد المغرب الكبير، بما في ذلك الدول المغربية الكبرى كالدولة المرابطية والموحدية والمرينية، التي سيطرت على المناطق التي تعرف اليوم بالجزائر لأكثر من 450 سنة (من القرن 11 إلى القرن 15).
هذه الفترات أسهمت في تشكيل هوية ثقافية مشتركة بين المغرب والجزائر، خصوصا في مجالات اللغة والعادات الاجتماعية والدين. وكما أشار المؤرخ الجزائري عبد الحميد بن باديس في كتابه “آثار ابن باديس” (1947):
“الجزائر كانت جزء من المجال الثقافي والتاريخي المغاربي، حيث شهدت العديد من التأثيرات المغربية في شتى مجالات الحياة”.
رغم أن الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي بدأ عام 1830، حاول فرض هوية ثقافية جديدة، ظل الجزائريون متمسكين بتقاليدهم المرتبطة بالمغرب. فالمطبخ الجزائري، مثلا، ما زال يحتفظ بأطباق مغربية أصيلة كـ”الطاجين”، و”الكسكس”، و”الحريرة”. كما أكد المؤرخ الجزائري محمد باي في كتابه “الجزائر في التاريخ” (1992)، حيث أوضح أن الجزائريين قاوموا محاولات فرض الهوية الفرنسية وتمسكوا بجذورهم المغاربية، خاصة الثقافة المغربية.
في الموسيقى، تأثرت فرق جزائرية كثيرة بالظاهرة الغيوانية المغربية خلال السبعينات، سواء في الأسلوب أو اللباس أو الإيقاعات، حيث أن فرقا مثل “مجموعة النجوم” اقتبست بشكل واضح أساليب ناس الغيوان وجيل جلالة. وقد اعترف بذلك فنانون جزائريون بارزون، مثل الفنان الراحل عوينات، الذي صرح في لقاء تلفزيوني قائلا:
“الموسيقى المغربية، خاصة الغيوانية، كانت مصدر إلهام لنا في الجزائر، فقد عبرت بصدق عن هموم الناس، واستطاعت أن تجسد معاناة الشارع الجزائري بطريقة مشابهة”.
كما عبَّر كل من الشاب خالد والشاب بلال، في عدة لقاءات تلفزيونية، عن تأثرهما بالموسيقى الغيوانية المغربية، بل وحفظهما لبعض أغانيها.
هذا التأثير المغربي لا يقتصر على الموسيقى أو الطعام، بل يشمل أيضا اللباس التقليدي الجزائري، مثل القفطان والجلابة، وهما جزء أصيل من التراث المغربي. كما أشار محمد المنوني في كتابه “التاريخ السياسي للمغرب الكبير” (2004)، حيث كتب:
“اللباس الجزائري يحمل بصمة مغربية واضحة، تماما كما هو الحال في المطبخ التقليدي، حيث تظل أطباق مثل الطاجين والكسكس والحريرة جزء من المائدة الجزائرية، وهي ذات جذور مغربية”.
أما في الموسيقى، فـ”الطرب الأندلسي”، الذي نشأ في فاس، انتقل إلى الجزائر عبر تلمسان، وأصبح جزء من تراثها الموسيقي. كما أكد المؤرخ الفرنسي جاك بيرك في كتابه “Le Maghreb entre deux mondes” (1993)، حيث أكد أن الطرب الأندلسي في الجزائر تأثر بشكل كبير بالثقافة المغربية، وهو ما يفسر التشابه بين الأساليب الموسيقية في البلدين.
رغم كل هذه الروابط، نجد أن الخطاب السياسي الجزائري الرسمي يميل إلى رفض الاعتراف بهذه العلاقة التاريخية والثقافية. هذا الرفض يمكن تفسيره من منظور علم الاجتماع، خاصة من خلال نظرية “الهوية الثقافية”. فبعد الاستعمار الفرنسي، كان من الضروري للجزائر بناء هوية وطنية مستقلة، وهو ما جعلها تسعى إلى تقليل الاعتراف بالارتباط الثقافي بالمغرب، بل ومحاولة نسب أغلب عناصر ومكونات الثقافة المغربية لنفسها.
الباحث إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” (1978)، أوضح أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل كان أيضا مشروعا لإعادة تشكيل الهويات. وفي حالة الجزائر، ساهم الاستعمار الفرنسي في خلق فجوة بين هويتها الأصلية وهوية جديدة حاول فرضها، مما أدى إلى ارتباك في تصور الجزائريين لهويتهم الحقيقية.
كما أن نظرية “الهوية الاجتماعية” لعالم النفس هنري تاجفل (1982)، توضح أن الشعوب التي تعاني من تهديد لهويتها تميل إلى رفض التأثيرات الثقافية التي قد تربطها بدول أخرى. وهذا ما يفسر محاولات الجزائر الرسمية التنصل من الجذور المغربية، رغم أن الثقافة الشعبية الجزائرية تشهد بوضوح على هذا التأثير.
من منظور علم النفس السياسي، يمكن فهم العداء الجزائري تجاه المغرب على أنه جزء من محاولة لتعزيز الهوية الوطنية، وفي دراسة للباحثة ناتالي مونييه في علم الاجتماع سنة (2014)، أشارت إلى أن بعض الدول تستغل الخطاب العدائي كأداة لتأكيد سيادتها، وهو الأمر الذي ينتج عنه تضخيم للذات بطريقة غير منطقية.
خير مثال على ذلك تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حين قال:
“الجزائر قوة ضاربة”.
تصريح لم يجرؤ على قوله حتى رؤساء الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين، أو حتى العراق في عهد صدام حسين. هذا النوع من الخطاب يعكس ما يسمى في علم النفس بـ“تضخم الأنا الجماعية”، وهي ظاهرة تدفع الشعوب والأنظمة السياسية إلى تضخيم صورة الذات لدرجة تجاهل المنطق السليم.
في حالة الجزائر، يظهر ذلك في رفضها الاعتراف بالتأثير الثقافي المغربي، بل ومحاولة تقديم كل ما هو مغربي على أنه جزائري، سواء في الأزياء، الموسيقى، أو التراث. هذه الظاهرة ليست مجرد اختيار سياسي، بل هي انعكاس لأزمة هوية تمتد جذورها إلى قرون من الاستعمار والتلاعب بالهوية الوطنية.
العلاقة بين المغرب والجزائر ليست مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين، بل هي امتداد تاريخي ثقافي وحضاري عميق. غير أن الخطاب السياسي الجزائري يسعى، منذ الاستقلال، إلى نفي هذا الامتداد، وإعادة تشكيل هوية جزائرية مستقلة، ولو على حساب الحقائق التاريخية.
رغم كل المحاولات السياسية، يبقى التأثير المغربي حاضرا بقوة في تفاصيل الحياة اليومية الجزائرية، من الطعام إلى الموسيقى، ومن اللباس إلى العادات الاجتماعية، مما يجعل من مقولة “الجزائريون لا يقلدون المغاربة، بل يعودون إلى الأصل” توصيفا دقيقا للحالة الثقافية الجزائرية في العصر الحالي.