spot_img

ذات صلة

كل الاخبار

أحزاب سينمائية

بقلم: رشيد صفر تبدأ الأحزاب السياسية في «كوكب القمر» مشاهد...

الملك تشارلز يحسم وضع هاري وميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا

أكد الملك البريطاني تشارلز الثالث أن الأمير هاري وزوجته...

اليونان تجدد دعمها لمقترح الحكم الذاتي وتعتبره الحل الأكثر واقعية لقضية الصحراء المغربية

جددت اليونان تأكيد دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، معتبرة...

إمزورن.. مصرع رجل أمن خلال مواجهة مسلحة مع مشتبه فيهم في الاتجار بالمخدرات

شهدت منطقة إفروى التابعة لجماعة إمزورن بإقليم الحسيمة، اليوم...

موجة حر وزخات رعدية تضربان عدداً من مناطق المغرب.. درجات تصل إلى 46 درجة

تتواصل موجة الحر بعدد من عمالات وأقاليم المملكة، بالتزامن...

أحزاب سينمائية

بقلم: رشيد صفر

تبدأ الأحزاب السياسية في «كوكب القمر» مشاهد حملاتها الانتخابية بالبهتان والتدليس والكذب، وتدخل المنافسة بسيناريو مكرور، وأفكار مستهلكة، ورؤية إخراجية مقززة و«حامضة»، تجعل اللقطات عبئاً على الحكاية بدل أن تخدمها.

ولا يحتاج الأمر، يا سادة يا كرام، في أغلب هذه الأفلام السياسية، سوى إلى مكبر صوت، وكاميرا، وزاوية تصوير منتقاة بعناية، ثم يطلق المخرج صاحب الحنجرة الانتخابية صوته معلناً:

«أكسييييون!»

وبعدها يبدأ الفيلم، بسرد سمعي بصري بعيد عن السياسة التي يُفترض أن تقوم على البرامج والأفكار والحساب.

تأتي البداية كتلك المشاهد السينمائية التي يكون فيها أهم مطلب هو أن تبدو الصورة جميلة، وأن يبدو الحشد كبيراً، وأن يظهر السياسي قوياً، وأن يصدق الناس كل ما يرونه على الشاشة.

ففي موسم الانتخابات، لا تحتاج بعض الحملات السياسية إلى إقناع المواطن بإيديولوجية الحزب، إن كانت له إيديولوجية أصلاً، لأن هذا المصطلح أضحى كلاسيكياً غير معتمد، ولا تحتاج إلى شرح البرامج، ولا إلى تقديم حصيلة الولاية السابقة ضمن الأغلبية أو المعارضة، بقدر ما تحتاج إلى إقناع المواطن بأن الجميع مقتنع بشيء ما حول موضوع ما.

وهنا تنقشع الحيلة.

حين تقام التجمعات، وتنصب المنصات، وتشتغل مكبرات الصوت، وترفع الشعارات، ويروج رمز الحزب، ويصعد الأمين العام أو أحد القياديين، رجلاً كان أو امرأة، إلى المنصة ليلقي خطاباً أمام حشد كبير، يبدأ التشخيص السينمائي.

يخفض السياسي صوته تارة ويرفعه تارة أخرى، ويتحدث عن إنجازات خارقة تنتمي إلى نوعية أفلام «الخيال العلمي»، فتتعالى التصفيقات، ثم يقدم، في جرأة وثقة، «مونولوغاً» من النجاحات التي لا يراها المواطن في حياته اليومية، ووعوداً «طوباوية» تجعل المرء يتساءل في دهشة:

هل تحقق كل هذا وأنا في غفلة من أمري؟!

إذن، لماذا ما زلت أشتكي من نفس المشاكل؟!

وهنا يظهر أهم عنصر في فريق صناعة الفيلم السياسي، ذلك الذي لا يتحدث كثيراً، ولا يلقي الخطب، ولكنه يعرف جيداً ماذا يريد المخرج.

إنه «الكاميرامان».

يرصد كل اللقطات التي يمكن أن تصنع الحدث السينمائي، لأن المرحلة الأهم في الحملة ليست دائماً مرحلة الإقناع، وإنما مرحلة صناعة الصورة.

تلتقط الكاميرا الحشد من الزاوية المناسبة، وتقتطع من الخطاب أكثر لحظاته حماساً، في ما يشبه مقاطع الـ«Best Of»، ثم تعطي الفرصة للهتافات والتصفيقات لكي تتحدث نيابة عن الحزب.

وبعد دقائق، تنتشر الصور ومقاطع الفيديو في وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بعناوين رنانة من قبيل:

«الجماهير تزحف»،
«استقبال تاريخي»،
«التفاف شعبي غير مسبوق».

وكأن قاعات صناديق الاقتراع قد فتحت أبوابها، وانتهى الفرز، ولم يتبق سوى إعلان رسمي عن فوز الحزب سينمائياً.

لكن مهلاً…

من هؤلاء الذين نراهم في الصورة؟

هذا هو السؤال الذي لا تجيب عنه الكاميرا.

فالحشد الذي يبدو في الصورة وكأنه خرج من جميع أحياء وأزقة القرية والمدينة، قد يكون في الكواليس مجرد أفراد من عائلات رؤساء ورئيسات اللوائح، وأصدقاء المرشحين، وأعضاء الشبيبات الحزبية، والمنخرطين، والمتعاطفين، وأشخاص تمت دعوتهم للمشاركة في إنجاح اللقاء مقابل الأكل والليمونادت والحلوى والشاي و«الراي»… أي الرأي، لا يهم!

ومنهم أيضاً مريدو 200 درهم، وهؤلاء يؤمنون بالورقة الزرقاء إيماناً قوياً، أكثر من أي فيلم أو مبادئ حزبية.

والمشكلة ليست في وجود هؤلاء.

فلكل حزب الحق في أن يجمع أنصاره، وأن يحشد مؤيديه، وأن يحتفل بحملته.

لكن المشكلة تبدأ حين يُباع هذا الحضور للمواطن على أنه دليل قاطع على الشعبية الانتخابية.

فملء قاعة بمناصري حزبك شيء، والحصول على أصوات مئات الناخبين يوم الاقتراع شيء آخر تماماً.

الأول يحتاج إلى تنظيم، أما الثاني فيحتاج إلى إقناع.

وهنا يكمن الفرق بين الحشد والصوت.

فالحشد يمكن استقطابه في ساعات، أما الصوت الانتخابي فيحتاج إلى تراكم وثقة.

والحشد يصفق للخطاب، أما الناخب فيحاسب على الحصيلة.

والحشد يغادر بعد انتهاء التجمع، أما المنتخب فيبقى مسؤولاً أمام المواطن طوال الولاية.

الطامة الكبرى أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تهتم كثيراً بهذه التفاصيل.

فهي تحب الصورة السريعة، والمشهد المكتظ، والهتاف المرتفع.

ويكفي أن تظهر مئات الوجوه في مقطع لا يتجاوز نصف دقيقة حتى تتحول الصورة إلى «استطلاع رأي» غير معلن.

ويكفي أن يرتفع صوت الهتاف حتى يصبح التصفيق، في الخطاب الدعائي، مرادفاً للأصوات.

وهكذا تتحول الانتخابات من منافسة حول البرامج والحصيلة إلى منافسة حول من يستطيع صناعة المشهد الأكثر ازدحاماً.

وقد تكتظ ساحة تجمع حزبي عن آخرها، ثم يكتشف الأمين العام يوم الاقتراع أن الساحة ليست صندوقاً.

وقد ينظم مرشح لقاء صغيراً لا يحضره سوى عدد محدود، لكنه يحصل في النهاية على أصوات أكثر من مرشح مرت حملته الانتخابية وسط آلاف المؤدين.

لأن هناك قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى كثير من الفلسفة:

الذين يصفقون ليسوا بالضرورة هم الذين سيصوتون.

ولو قام الأمين العام، أو ذراعه الأيمن، أو مدير الحملة السينمائية بجولة طالباً بطائق الناخب من الحاضرين، لوجد أن أغلبهم لا يملك حتى بطاقة التعريف الوطنية.

وربما كان هذا هو المشهد الكوميدي الوحيد الذي لا تحتاج فيه الحملة إلى مخرج.

ثم تأتي متوالية أخرى من متواليات هذا الفيلم السياسي، حين تسمع الوعود بأن المدينة ستتحول إلى ورش مفتوح، وأن البطالة ستختفي، والخدمات ستتحسن، والمشكلات المتراكمة ستجد طريقها إلى الحل.

وكأن المرشح يملك عصا سحرية، لا برنامجاً انتخابياً.

وهنا يحق للناخب، بل يجب عليه، أن يسأل:

أين الأرقام؟

أين الآجال؟

أين مصادر التمويل؟

ما الذي يمكن إنجازه فعلاً؟

وما الذي لم يتم إنجازه في الولاية السابقة، إن كان الحزب أو المرشح قد سبق له تحمل المسؤولية؟

هذه الأسئلة لا تظهر كثيراً في فيديوهات الهتاف، لأنها، ببساطة، لا تحتاج إلى مكبر صوت، ولا إلى زاوية تصوير، ولا إلى مونتاج سريع.

إنها تحتاج إلى عقل هادئ وذاكرة لا تنسى.

الكاميرا تحب المشهد ولا تحب الحسابات.

تحب التصفيق ولا تسأل عن الحصيلة.

تحب الجموع ولا تحسب الأصوات.

والسياسة التي تتحول إلى صناعة للصورة تفقد شيئاً أساسياً من معناها، وهو المساءلة.

ولذلك ينبغي للناخب أن يتعلم مشاهدة أفلام الحملات الانتخابية بعين أخرى أكثر يقظة.

فلا يسأل فقط:

كم شخصاً حضر؟

بل يسأل أيضاً:

من حضر؟ ولماذا حضر؟ وماذا قيل؟ وهل يمكن التحقق منه؟ وما الذي تحقق فعلاً؟ وما الذي بقي مجرد وعد انتخابي ضمن فيلم سياسي مفضوح؟

فهذا الفيلم الذي يعاد بثه كل خمس سنوات يفتقد، منذ البداية، عنصر التشويق والإثارة.

القصة محروقة منذ «الجينيريك» الأول.

الشخصيات نفسها، تتغير أسماؤها أحياناً، لكن الأدوار تكاد تبقى واحدة.

والخطاب يتبدل في الألفاظ، بينما يبقى المضمون كما هو.

فلا تنبهر، أيها الناخب، أيتها الناخبة، بصورة تجمع جماهيري، ولا تعتبر عدد السيارات أو الأعلام أو الهتافات مؤشراً حاسماً على النتيجة.

فالانتخابات لا تحسمها مكبرات الصوت، ولا كاميرات الهواتف، ولا الصور التي يتم اختيارها بعناية لتغزو وسائل التواصل الاجتماعي.

تحسمها أصوات مواطنين يدخلون إلى المعزل، بعيداً عن المنصة، وبعيداً عن الكاميرا، وبعيداً عن الهتافات.

هناك، في تلك اللحظة الهادئة التي لا يسمع فيها المرشح شيئاً، ولا يرى فيها المصور شيئاً، تنتهي كل الأفلام المصنوعة للإيهام والتدليس.

وقد تنجح «الحيلة المفروشة» في خداع الكاميرا لبعض الوقت، وقد تنجح في إقناع بعض الناس، لكنها، في النهاية، لا تستطيع أن تدخل إلى صندوق الاقتراع.

لأن الصندوق الحقيقي، مهما حاولت الأفلام السياسية أن تتذاكى عليه، لا يقبل الكذب، ولا يعترف بالمونتاج، ولا بالزوايا المنتقاة، ولا بالتصفيق المسجل، ولا بالعناوين الدعائية.

إنه يعرف شيئاً واحداً فقط:

صوت الناخب الحر.

لأنه، في النهاية، القصة الحقيقية لمعنى الانتخابات السياسية.

.

spot_imgspot_imgspot_img