spot_img

ذات صلة

كل الاخبار

غارات إسرائيليةـ أمريكية تستهدف مجمعا للبتروكيماويات قرب شيراز جنوب إيران

شنت الولايات المتحدة وإسرائيل، الاثنين، غارات استهدفت مجمعا للبتروكيماويات...

حريق ضخم بمصنع لمضارب “البادل” بتطوان يخلف خسائر مادية كبيرة دون إصابات.

متابعة : صهيب كرطوط اندلع حريق مهول في الساعات الأولى...

​المغرب أولاً: نحو سردية وطنية جامعة

ياسين حجي في بعض الحالات نختار أن ننفصل عن...

الحكامة القضائية بالمغرب: من الشرعية الدستورية إلى فعالية الإدارة القضائية في ضوء قانون 38.15

بقلم: حبيل رشيد

لا جدال في أن الحكامة القضائية أضحت في التجربة المغربية المعاصرة مرتكزًا بنيويًا لإعادة تشكيل منظومة العدالة، وأساسًا معياريًا لإعادة ضبط العلاقة بين القضاء والمجتمع، كما أنها تمثل أداةً تنظيميةً لإرساء التوازن بين متطلبات الاستقلال القضائي ومقتضيات النجاعة التدبيرية… إذ إن التحولات الدستورية التي شهدها المغرب منذ سنة 2011 لم تكن مجرد تعديلات شكلية، وإنما جاءت محمّلة برؤية مؤسساتية جديدة، قوامها ترسيخ دولة الحق والقانون، وضمان الأمن القضائي، وتأمين الحقوق والحريات وفق ضوابط قانونية دقيقة ومؤطرة.

ومن الثابت أن هذا التحول يجد سنده في الوثيقة الدستورية التي أعادت تعريف السلطة القضائية باعتبارها سلطة مستقلة، ذات اختصاصات محددة، ومحمية بضمانات قانونية صريحة… فالفصل 107 من الدستور أقر استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو إقرار يتجاوز البعد الرمزي إلى تأسيس قاعدة قانونية آمرة، تقيد كل تدخل محتمل في الشأن القضائي، وتؤطر ممارسة الوظيفة القضائية ضمن نطاق الحياد والتجرد.

كما أن الفصل 109 يعزز هذا التوجه من خلال تجريم كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، بما يشكل حماية قانونية مزدوجة، تجمع بين التحصين المؤسسي والتجريم الزجري… في حين يكرس الفصل 108 الحق في محاكمة عادلة داخل أجل معقول، وهو ما يمنح الحكامة القضائية بعدًا حقوقيًا، يجعل من جودة العدالة معيارًا لتقييم الأداء القضائي، ومن احترام الآجال ضمانة أساسية للإنصاف الإجرائي.

وعلاوة على ذلك، فإن الفصل الأول من الدستور، بما يتضمنه من مبادئ فصل السلط، وتوازنها، وتعاونها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يشكل الإطار المرجعي الذي تنتظم داخله الحكامة القضائية… إذ إن هذا المبدأ الأخير يفرض خضوع كل فاعل قضائي أو إداري لمنطق المساءلة القانونية، ويجعل من التقصير أو الانحراف في الأداء محل تقييم وتقويم، وفق آليات رقابية مؤسساتية.

كما أن الفصل 154 يضفي على مرفق القضاء طابعًا مرفقيًا خاضعًا لمعايير الجودة، والشفافية، والاستمرارية، والإنصاف في الولوج… وهي معايير قانونية ذات طبيعة إلزامية، تفرض على الإدارة القضائية أن تتبنى مقاربة تدبيرية حديثة، قائمة على الفعالية، وترشيد الموارد، وضمان حقوق المرتفقين.

غير أن موقع الإدارة القضائية ضمن هذا البناء الدستوري يطرح إشكالاً مركبًا، بالنظر إلى مقتضيات الفصل 89 الذي ينيط بالحكومة مهمة الإشراف على الإدارة العمومية… وهو ما يثير تساؤلات دقيقة حول حدود تدخل السلطة التنفيذية في تدبير الشأن القضائي، خاصة في ما يتعلق بالجوانب الإدارية واللوجستيكية.

وفي هذا السياق، جاء اجتهاد المحكمة الدستورية ليؤسس لتأويل متوازن، حيث اعتبر أن الإدارة القضائية، رغم انتمائها إلى الجهاز الإداري، فإنها تتميز بخصوصية وظيفية تجعلها متداخلة مع الوظيفة القضائية، بما يفرض إخضاعها لنظام قانوني خاص، يراعي هذا التداخل دون الإخلال بمبدأ الاستقلال.

وانطلاقًا من هذا التأصيل، سعى المشرع المغربي إلى بلورة إطار قانوني ومؤسساتي يترجم المبادئ الدستورية إلى قواعد تنظيمية قابلة للتنفيذ، فتم إصدار القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي خول لهذه المؤسسة صلاحيات واسعة في تدبير الوضعية المهنية للقضاة، وضمان استقلالهم، والسهر على احترام أخلاقيات المهنة القضائية.

وقد نصت المادة 54 من هذا القانون على إحداث هيئة مشتركة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والوزارة المكلفة بالعدل، تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية، وهو ما يعكس توجهاً نحو إرساء حكامة مؤسساتية قائمة على التعاون دون المساس باستقلال القرار القضائي.

أما القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، فقد شكل نقلة نوعية في تأهيل الإدارة القضائية، حيث أعاد هيكلة المحاكم، وحدد اختصاصاتها، ونظم بنيتها الإدارية وفق مقاربة وظيفية دقيقة… ومن أبرز مستجداته إحداث منصب الكاتب العام للمحكمة بموجب المادة 23، والذي يتولى الإشراف على تدبير الموارد البشرية، وتنسيق العمل الإداري، وضمان حسن سير المرافق داخل المحكمة.

ويعد هذا المنصب تجسيدًا لمبدأ الفصل النسبي بين الوظيفة القضائية والوظيفة الإدارية، حيث يتيح للقضاة التفرغ لمهامهم القضائية، في حين يتولى الجهاز الإداري تدبير الشؤون التنظيمية واللوجستيكية… وهو ما يعزز النجاعة القضائية، ويحد من تداخل الاختصاصات.

كما أن التنظيم القضائي الجديد نص على إحداث بنيات استقبال وتوجيه داخل المحاكم، وتطوير خدمات كتابة الضبط، واعتماد مقاربة القرب في تقديم الخدمات القضائية، بما ينسجم مع مبدأ الولوج المنصف إلى العدالة.

وفي السياق ذاته، تم إحداث المفتشية العامة للشؤون القضائية، بموجب المادتين 53 و54 من القانون التنظيمي، حيث تضطلع بمهام التفتيش والتقييم، وإعداد التقارير، ورصد الاختلالات… وهو ما يعزز مبدأ الرقابة المؤسساتية، ويكرس الشفافية كقاعدة قانونية في تدبير الشأن القضائي.

وعلى مستوى الأداء، تبرز النجاعة القضائية كمؤشر مركزي لقياس فعالية الحكامة، حيث تعني تحقيق الأهداف القضائية وفق معايير الجودة، وفي آجال معقولة، وبأقل تكلفة ممكنة… وهو ما يستدعي تبسيط المساطر، وتسريع وتيرة البت في القضايا، وتحسين جودة الأحكام، وضمان تنفيذها.

ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد التكنولوجيات الحديثة يشكل ركيزة أساسية في تحديث الإدارة القضائية، حيث يتيح الانتقال نحو المحكمة الرقمية إمكانية تدبير الملفات بشكل إلكتروني، وتسهيل الولوج إلى الخدمات القضائية، وتقليص الاحتكاك المباشر بين المرتفق والإدارة، بما يعزز الشفافية ويحد من الممارسات غير المشروعة.

ورغم هذه المكتسبات، فإن تنزيل الحكامة القضائية يواجه مجموعة من التحديات البنيوية، من بينها تداخل الاختصاصات، وضعف الموارد البشرية، والحاجة إلى تكوين مستمر، إضافة إلى ضرورة تحيين النصوص القانونية بما يواكب التحولات الرقمية.

كما أن تحقيق فعالية الإدارة القضائية يظل رهينًا بمدى قدرة الفاعلين على تفعيل آليات التنسيق، وتكريس ثقافة المسؤولية، واعتماد مقاربات تدبيرية قائمة على النتائج، وربط الأداء بالمحاسبة.

وفي هذا الإطار، يبرز دور المجتمع المدني كفاعل موازٍ في دعم الحكامة القضائية، من خلال المساهمة في ترسيخ ثقافة الشفافية، وتعزيز آليات الرقابة المجتمعية، وتوسيع دائرة المشاركة في تقييم الأداء القضائي.

وبالتالي ؛فإن الحكامة القضائية في المغرب تمثل مشروعًا إصلاحيًا متكاملاً، يقوم على أسس دستورية صلبة، وآليات قانونية دقيقة، ومقاربة تدبيرية حديثة… وهي بذلك تشكل رافعة أساسية لتحقيق العدالة الناجعة، وتعزيز الثقة في المؤسسة القضائية، وبناء دولة القانون على أسس من المشروعية والإنصاف.

وبالإضافة إلى ذلك؛ يشهد مسار ترسيخ استقلال النيابة العامة في التشريع المغربي تحولات عميقة ومتدرجة، تعكس إرادة مؤسساتية واضحة في إعادة بناء العلاقة بين السلط على أسس التوازن والتكامل، حيث إن هذا الاستقلال لم يعد مجرد شعار دستوري مؤطر بنصوص عامة، وإنما أضحى ممارسة قانونية يومية تتجلى في تفاصيل العمل القضائي… وبالتالي فإن استكمال النقاش حول هذا الموضوع يقتضي الوقوف عند الأبعاد التطبيقية والرهانات الواقعية التي تحيط بهذا الاستقلال، وما يطرحه من إشكالات دقيقة تتصل بجوهر العدالة الجنائية وفعالية السياسة الجنائية.

لا شك أن الانتقال من مرحلة التبعية الإدارية لوزارة العدل إلى مرحلة الاستقلال المؤسساتي لرئاسة النيابة العامة شكل نقطة تحول نوعية، إذ إن هذا التحول لم يكن تقنيا محضا، وإنما كان تعبيرا عن تحول في الفلسفة القانونية ذاتها، حيث تم الانتقال من منطق الإشراف التنفيذي إلى منطق الاستقلال القضائي المؤطر بالمسؤولية… ومن ثم، فإن هذا التحول يطرح تساؤلا مركزيا حول حدود السلطة التقديرية المخولة للنيابة العامة، ومدى انسجامها مع مبدأ الشرعية الجنائية الذي يفرض التطبيق الصارم للقانون دون انتقائية أو تمييز.

وعلاوة على ذلك، فإن استقلال النيابة العامة يفرض إعادة تعريف مفهوم “السياسة الجنائية” في السياق المغربي، حيث لم تعد هذه السياسة حكرا على السلطة التنفيذية كما كان الشأن سابقا، وإنما أصبحت توضع وتنفذ في إطار رؤية قضائية مستقلة، يقودها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة… الأمر الذي يعزز من الطابع القضائي لهذه السياسة، ويكرس توجهها نحو حماية الحقوق والحريات بدل الاقتصار على الزجر والعقاب.

غير أن هذا الاستقلال، وعلى الرغم من أهميته، يثير إشكالية دقيقة تتعلق بمدى خضوع قرارات النيابة العامة للرقابة، خاصة في ظل ما تتمتع به من سلطة تقديرية واسعة في تحريك الدعوى العمومية أو حفظها… إذ إن هذه السلطة، وإن كانت مبررة بضرورات الملاءمة والمرونة في تدبير القضايا، فإنها قد تفتح المجال أمام تفاوتات في التطبيق، وهو ما قد يمس بمبدأ المساواة أمام القانون، الذي يعد من الثوابت الدستورية الراسخة.

ومن المؤكد أن المشرع المغربي حاول التوفيق بين هذين البعدين، أي بين الاستقلال والرقابة، من خلال إقرار مجموعة من الآليات القانونية التي تضمن نوعا من التوازن، كإخضاع قرارات النيابة العامة لرقابة القضاء، سواء عبر قاضي التحقيق أو هيئات الحكم، إضافة إلى إمكانية الطعن في بعض قراراتها… وبالتالي فإن هذه الآليات تشكل صماما قانونيا يحد من أي انحراف محتمل في استعمال السلطة.

كما أن مبدأ التسلسل الرئاسي داخل جهاز النيابة العامة يظل من الخصوصيات البنيوية التي تميز هذا الجهاز، حيث إن وحدة النيابة العامة تفرض انسجام قراراتها وتماسك توجهاتها، وهو ما يتحقق من خلال خضوع أعضائها لتعليمات قانونية صادرة عن رئاستهم… غير أن هذا التسلسل، وإن كان ضروريا لضمان الفعالية، فإنه يطرح بدوره إشكالية التوفيق بين واجب الطاعة والاستقلال الفردي للقاضي، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقدير الوقائع وتكييفها القانوني.

إضافة إلى ذلك، فإن تعزيز استقلال النيابة العامة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن ترسيخ ثقافة مهنية قائمة على النزاهة والحياد والتجرد، حيث إن النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، تظل قاصرة عن تحقيق العدالة في غياب قضاة يتشبعون بقيمها… لذلك، فإن الرهان الحقيقي يكمن في تأهيل العنصر البشري، وتحصينه ضد كل أشكال التأثير غير المشروع، سواء كان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا.

وفي هذا السياق، يبرز دور التكوين المستمر والتأطير المهني في تطوير أداء النيابة العامة، حيث إن تعقيد القضايا المعروضة عليها، خاصة في مجالات الجريمة المنظمة والجرائم المالية والرقمية، يفرض امتلاك كفاءات قانونية وتقنية عالية… ومن ثم، فإن الاستثمار في التكوين يشكل أحد أعمدة تعزيز الاستقلال الفعلي، باعتباره استقلالا قائما على المعرفة والقدرة على اتخاذ القرار السليم.

ومن زاوية أخرى، فإن استقلال النيابة العامة يرتبط ارتباطا وثيقا بثقة المتقاضين في العدالة، حيث إن هذه الثقة لا تبنى فقط على النصوص، وإنما على الممارسة اليومية التي تعكس مدى احترام القانون وضمان الحقوق… وبالتالي، فإن أي إخلال بهذا التوازن من شأنه أن يؤثر سلبا على صورة العدالة ويقوض مصداقيتها.

لذلك، فإن استكمال ورش استقلال النيابة العامة يقتضي مواصلة الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، مع تعزيز آليات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، دون المساس بجوهر الاستقلال… كما أن الأمر يتطلب فتح نقاش علمي وحقوقي معمق حول حدود السلطة التقديرية، وسبل تأطيرها بما يحقق الأمن القانوني ويضمن المساواة بين المواطنين.

وخلاصة القول، أن استقلال النيابة العامة في المغرب يمثل خطوة متقدمة في مسار بناء دولة الحق والقانون، غير أن هذا الاستقلال يظل رهينا بمدى قدرته على التوفيق بين الحرية والمسؤولية، وبين السلطة والرقابة، وبين النص والتطبيق… وهي معادلة دقيقة تفرض يقظة مستمرة وإرادة إصلاحية متجددة، حتى تظل العدالة رافعة أساسية للتنمية وضامنا حقيقيا للحقوق والحريات.

spot_imgspot_imgspot_img