كشف الموقف الأخير لـ كينيا الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، عن تحولات جيوسياسية لافتة داخل القارة الإفريقية، تعكس إعادة ترتيب موازين القوى داخل الاتحاد الإفريقي، في وقت يتراجع فيه الدعم الإقليمي للأطروحة الانفصالية، كما يظهر من محدودية تمثيلية الدول المشاركة في ما يسمى “ذكرى إعلان الجمهورية” بمخيمات تندوف، والتي اقتصرت على دول مثل جنوب إفريقيا والموزمبيق.
ويأتي هذا التطور في سياق دينامية دبلوماسية متصاعدة تقودها المغرب داخل القارة، مكنت من تحقيق اختراقات نوعية في مواقف دول كانت إلى وقت قريب ضمن محور معارض لمصالحه، ما يعكس انتقالاً تدريجياً في التعاطي مع ملف الصحراء من منطق إيديولوجي تقليدي إلى مقاربة براغماتية قائمة على المصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
في هذا السياق، اعتبر الباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد أن التحول في موقف كينيا يمثل مؤشراً واضحاً على إعادة تشكيل البنية الدبلوماسية الإفريقية، موضحاً أن النزاع حول الصحراء لم يعد يُقرأ من زاوية إرث حركات التحرر، بل من منظور واقعي يركز على الاستثمار والشراكات الاستراتيجية.
وأضاف أن كينيا، باعتبارها قوة إقليمية وازنة في شرق إفريقيا، تعكس هذا التحول نحو منطق الجدوى الاستراتيجية، حيث يتم التعامل مع مبادرة الحكم الذاتي كحل عملي قابل للتنفيذ، في مقابل تراجع الطرح الانفصالي الذي بات يواجه صعوبات متزايدة في الحفاظ على شبكة دعم واسعة داخل القارة.
ومن جهته، أكد الباحث في العلاقات الدولية جواد القسمي أن الموقف الكيني يندرج ضمن تحول أوسع يشهده الموقف الإفريقي تجاه القضية، حيث بدأت العديد من الدول في مراجعة سياساتها الخارجية، متجهة نحو تبني مقاربات قائمة على المصالح الاقتصادية والتنمية واحترام سيادة الدول.
وأشار إلى أن كينيا، كفاعل محوري داخل القارة، تدرك أهمية الشراكة مع المغرب، خاصة في مجالات استراتيجية مثل الأمن الغذائي، في ظل الدور الذي يلعبه المجمع الشريف للفوسفاط على المستوى الدولي.
كما أبرز أن انضمام كينيا إلى دول إفريقية أخرى كانت تُصنف ضمن دائرة النفوذ الجزائري، يعكس تراجعاً ملموساً في الدعم الدبلوماسي للأطروحة الانفصالية، وهو ما تؤكده محدودية الحضور في الأنشطة المرتبطة بها، والتي لم تستقطب سوى عدد محدود من الدول.
ويعكس هذا التباين، بحسب متتبعين، انتقال النزاع إلى مرحلة جديدة تتسم باختلال موازين التأثير لصالح المغرب، في ظل تنامي حضوره داخل القارة، مقابل تراجع الزخم الدبلوماسي للأطراف الأخرى، ما يعزز من فرضية ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي كخيار واقعي ضمن مسار التسوية السياسية.

