spot_img

ذات صلة

كل المقالات

عاجل : نبيل حرمة الله ينتخب كاتبا لمجلس مقاطعة الحي الحسني

انتخب الآن "نبيل حرمة الله" عن حزب الأصالة والمعاصرة...

فوضى خلال الجلسة الثانية لدورة يناير 2026 بمجلس مقاطعة الحي الحسني

متابعة :ايوب الهوري. تشهد في هذه الأثناء الجلسة الثانية لدورة...

الملك محمد السادس نصره الله وأيده: فاعل الحكامة ورمز الاستراتيجية.

بقلم :حبيل رشيد . باحث في الحكامة العمومية يقول جورج...

سلسلة الواقع والمواقع،الحلقة 30 : تجارة الكذب عبر منصات التواصل الاجتماعي..

الواقع والمواقع … سلسلة مقالات ننشرها حصريا في جريدة “ديريكت بريس”، للتسلية والترفيه وأيضا للتوعية والتثقيف. نرصد من خلالها تفاصيل حدث خلق ضجة اعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لنتتبع تأثيره على ردود أفعال المواطنين وصناع القرار في العديد من دول العالم.
بقلم : رشيد صفـَـر

الحلقة 30 : تجارة الكذب عبر منصات التواصل الاجتماعي..

في زمن الرقمنة، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي فضاء للبوح أو التسلية فقط، بل أصبحت أسواقا مفتوحة يمارس فيها صُنّاع الوهم تجارتهم الرابحة، ويتنكر فيها الكذب في هيئة إعلان ممول، وعرض محدود، وتخفيض استثنائي. إنها تجارة الكذب التي تُبنى على الاندفاع، وتُروَّج بالصور المفلترة، وتُستهلك فيها الأحلام قبل البضائع ففي كل دخول للعالم الافتراضي، عبر الهاتف الذكي، يحاول اصطيادنا أشخاص .. يلبسون قناعا رقميا سريا من وراء الشاشة.

ادفع ثم اربح !!!

لا أحد يعطيك السلع مجانا، لكن هناك من يخطط لكي يبيع لك فكرة مفادها أنك ربحت سلعة، بشرط أن تشتري أولا سلعا أخرى قبل المربوحة وهي حيلة مفضوحة !!!..
هذه العملية هي من العروض المتداولة بكثرة في منصات التواصل الاجتماعي في النصف الثاني من عام 2025، السنة البسيطة فهي تضم 365 يوما وتصنف ضمن السنوات العادية، و رجوعا للعملية المذكورة في بيع الكذب على مواقع التواصل الاجتماعي، فهي تعتمد على لازمة : “اشترِ منتجات بقيمة 400 درهم، واحصل على ثلاث منتوجات مجانا ” .. أكيد وصلتكم هذه الحيلة عبر الهاتف.
يغرينا العنوان ومن يدفع عبر البطاقة البنكية ينتظر … فيتلقى في النهاية سلعا دون المستوى، أو لا تصل أبدا.
تصبح “الهدايا” أيها “الغزال” مجرد فخ تسويقي، و400 درهم ثمنا لوهم مغلف بعبارة : “سلع مجانية”، وننسى ما كانت تقوله الجدة ..
” هيهات يا بني .. حتى العقرب في زمنكم لا يمكن أن تلذغك مجانا”.

معركة الطماع والكذاب !!!

قديما قال المغاربة “الطماع كايقضي عليه الكذاب”، وبلغة الضاد : “الطماع صيد ثمين للكذَّاب” ويقال أيضا : “ما حد الطماع كاين الكذاب ما خصو خير”، رغم أن مفهوم الخير في هذا السياق، لا ينسجم البتة مع القيم والمباديء النبيلة.
يعكس هذا النوع من الحكم والأمثلة، منظومة اجتماعية وثقافية معروفة، لكنها صعبة التفكيك والفهم عند أغلب المبحرين عبر الإنترنت، حيث يُنتج الطمع الكذب ويشرعن الأخير في مجتمع الأحلام السهلة .. في مواقع التواصل يظهر هذا المشهد بوضوح ضمن عمليات تعكس ظواهر مثل النصب الرقمي، والوعود الزائفة بالربح، والإعلانات المضللة، حيث يتحوّل “الطمَّاع” إلى متابع ساذج – أو هكذا خُطط له أن يكون – ويتحوّل “الكذاب” إلى محتال رقمي، يُتقن التمويه عبر المحتوى البراق”.
في هذا السياق، يمكن الاستناد إلى أطروحات سوسيولوجية معاصرة تناولت مظاهر الخداع الرقمي والاستهلاك الزائف في الفضاء الافتراضي، ومن أبرزها، رأي الفيلسوف وعالم الاجتماع زيغمونت باومان، الذي ولد في بولندا وتوفي في إنجلترا سنة 2017، حيث كتب قيد حياته، دراسة عن تطوير مفهوم “الحداثة السائلة” (Liquid Modernity)، وقد وصفها بالحالة الاجتماعية المعاصرة التي يتسم فيها كل شيء بالتغير المستمر، بما في ذلك القيم والهويات والعلاقات، وعُرف “باومان” بانتقاده للرأسمالية الاستهلاكية ولتأثير وسائل الإعلام في تشكيل الوعي الجماعي.
يرى باومان أن المجتمعات الحديثة أصبحت قائمة على “العلاقات السائلة”، حيث تضعف الروابط الاجتماعية، ويصبح الأفراد عرضة للاستغلال، خاصة في بيئات استهلاكية رقمية تتلاعب برغباتهم.

البهتان المُبرمج !!!

الطمع في مثل هذه الحيلة الرقمية الماكرة، ليس مجرد رغبة، بل اختلال في القيم، والكذب ليس فقط سلوكا، بل وظيفة اجتماعية تُملأ بها فجوة الوعي النقدي .. فيسبوك، وتيك توك، ويوتيوب وإنستغرام إلخ .. أصبحت بيئات مثالية لهذا الاقتصاد الرمزي الموبوء بـ”العروض الزائفة”، حيث يُباع الوهم على هيئة “فرصة ذهبية”، وحين يعيد مثال “العبد حر إذا قنع، والحر عبد إذا طمع”، تعريف الحرية من زاوية القيم لا الوضع الاجتماعي، تصبح السوشيال ميديا مختبرا لهذا التناقض .. أي أن الحرية الرقمية لا تعني بالضرورة وعيا حرا، لأن السعي وراء “المشاهدات” و”الانتشار” من طرف الكاذب والطمع في الجائزة المجانية من طرف الطماع، يسقط كثيرين في “عبودية” خوارزميات البهتان المُبرمج، فنصبح في زمن ينتج فيه الطماع الكذاب، ويصطاد فيه الكذاب الطماعين، عبر منصة افتراضية لا يملك فيها الضحايا حقيقة المصدر والمعلومات الصحيحة عن من يسير العملية، عبر التطبيقات والأرقام السرية و التحويلات من الحسابات البنكية.

خدعة Bait and Switch .. الطُّعم والكمين..

مصطلح “Bait and Switch” يُترجم إلى العربية بـ “الطُّعْم والتبديل” أو “الإغراء والتبديل”، ويشير هذا المصطلح إلى خدعة تسويقية، حيث يتم جذب المستهلك من خلال عرض منتج أو خدمة جذابة (الطعْم)، ثم يحدث أن يتغير المنتوج أو يتم استبداله بمنتج آخر أو خدمة أقل جودة، أو مختلفة تماما عن ما رغب المستهلك في شرائه خلال أول تصفح للمنصة.
تقوم هذه الحيلة على وعد جذاب لجلب الزبون، ثم استبدال الوعد بواقع مختلف، حيث يُعرضُ عليه منتجٌ براقٌ بثمن زهيد أو مجانا، وما إن ينخرط في العملية حتى يتضح له أن عليه أولا أن يشتري “بكثرة” ليظفر به، وفي هذه الحالة يمكن القول أن الطُّعم يدس في الروابط الرقمية بعناية ومكر، لكن “الفريسة” في الأخير هو الطماع، الذي ينقر على الروابط كما يدوس الفأر برجله فوق زناد المصيدة، ليجد أن فخها قد أغلق على رقبته الهشة.

بين الواقع القانوني والموقع الجغرافي

الخطورة الحقيقية في هذه الروابط التي تنتشر كالفطر على منصات التواصل الاجتماعي، لا تكمن فقط في محتواها المغري أو المُضلل، بل في فصولها القانونية الغامضة عند البعض، وموقعها الجغرافي العابر للحدود. فغالبا ما تكون هذه الروابط مزروعة في فضاء رقمي مبهم، تُدار من دول قد لا تربطها مع دول الضحايا أية اتفاقيات قضائية، ولا تخضع لمنظومات تشريعية موحدة. ما يجعلها بمنأى عن الملاحقة القانونية، ويحولها إلى أشباح إلكترونية تبيع الوهم بلا عنوان، وتختفي عند أول محاولة للتعقب.

الخوادم “المخدومة” !!!

إنها تجارة رمزية بامتياز، لا تبيع منتوجا بالمعنى المادي فقط، بل تبيع الثقة الرقمية كسلعة ثمينة، وتُحول النية الطيبة إلى رأس مال قابل للاستغلال .. تسرق الوقت واليقظة، وتُراهن على هشاشة الوعي القانوني لدى المستخدم، وعلى محدودية رقابة الدول التي ما زالت قوانينها حبيسة الشأن الوطني، في زمن يتجاوز فيه الاحتيال الرقمي كل الحدود، وهنا الضحية ليس فقط طماعا، بل أيضا “مُجرّدا من الحماية”، في عالم افتراضي لم تواكبه التشريعات بما يكفي. الكذاب لا يجرّب خداعه في الأزقة فقط، بل يوسّع نشاطه ليحترف “الاحتيال عبر الخوادم”.

في عالم التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد يكفي أن تكون متصلا بالإنترنت، بل عليك أن تكون واعيا بالثقافة الرقمية، قادرا على التمييز بين العرض الحقيقي والكمين النفسي، بين التسويق والإيهام، بين المنتوج والقصة التي تُروى عنه في المواقع .. ولا تجد لها أثرا في الواقع.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا
Captcha verification failed!
فشل نقاط مستخدم captcha. الرجاء التواصل معنا!
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img