بقلم: محمد الزاهيري
عضو المجلس الوطني للحزب
عضو الكتابة الجهوية للحزب
عضو الكتابة الإقليمية للحزب بإقليم برشيد
كاتب الفرع المحلي للحزب بسيدي رحال الشاطئ
ربما سأبدو متشدداً أو قاسياً إذا قلت إن العمل السياسي أصبح يفتقد إلى أبسط قواعده الأخلاقية وأعرافه الراسخة. فاليوم، أصبح كل من أراد ممارسة السياسة، وهو حق دستوري لا جدال فيه، يعتبر نفسه مؤهلاً للتنظير واتخاذ المواقف وإصدار الأحكام، دون أن يتوفر في كثير من الأحيان على الحد الأدنى من الثقافة السياسية أو المعرفة التي تؤهله لذلك.
لقد أصبحت الميكروفونات سهلة المنال، والمنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي تفتح أبوابها للجميع، حتى غابت الحدود الفاصلة بين الممارسة السياسية الحقيقية وما يشبهها. واختلطت المفاهيم إلى درجة أصبح معها التمييز بين الصحيح والخاطئ، وبين رجل السياسة ومن يمارس ما يسمى بالسياسة، أمراً بالغ الصعوبة.
إلى وقت قريب، كان يقال إن الإشكال يكمن في المواطن الذي تُمارس عليه السياسة، لا في السياسي نفسه. ويستحضر المرء هنا ما جاء في قصيدة محمود درويش “خطاب الديكتاتور”، حين تساءل: “هل يتساوى المتسول والفيلسوف في صناديق الاقتراع؟”، كما يستحضر ما ذهب إليه الأستاذ عبد الرحيم البدوي في كتابه Prospective de Futur، عندما أكد، في جوهر فكرته، أنه لا يمكن الحديث عن تصويت واعٍ ما دام المواطن لم يتحرر بعد من ضغط الحاجة، ولم يصبح قادراً على التمييز بين قيمة صوته وقيمة كيس دقيق هو في أمسّ الحاجة إليه.
أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكل لافت، وأصبح الإشكال الحقيقي فيمن يمارس السياسة نفسها. اختلطت الأدوار وضاعت البوصلة. فترى منتخباً وصل إلى رئاسة جماعة ترابية أو مجلس إقليمي أو جهوي باسم حزب سياسي معين، ثم يظهر في تجمع لحزب آخر، يجلس في الصفوف الأمامية أو على المنصة، يخطب في الجماهير وكأنه قائد المشروع السياسي الجديد ومنقذ الإقليم أو الجهة، دون أدنى اعتبار لما تفرضه المسؤولية السياسية من انسجام أخلاقي واحترام للإرادة التي أوصلته إلى موقعه.
إنها صور تطرح أكثر من علامة استفهام حول مفهوم الالتزام الحزبي، وحول مصداقية الخطاب السياسي، وحول احترام الناخب الذي منح ثقته على أساس برنامج وهوية وانتماء سياسي واضح.
وا حسرتاه على زمن كانت فيه السياسة، رغم كل اختلافاتها، تحتكم إلى قواعد وأعراف لا يتجاوزها أحد. حتى الأحزاب التي كانت توصف بـ”الإدارية”، والتي كان خصومها يربطونها بمرحلة وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، كانت تحرص على احترام حد أدنى من الأدبيات السياسية. ولم يكن الترحال السياسي يتم بهذه الصورة المستفزة، رغم أنه لم يكن مجرماً قانونياً آنذاك.
كانت الأحزاب الوطنية تدفع بخيرة أطرها وكفاءاتها، كما كانت الأحزاب الأخرى تقدم شخصيات من عالم الاقتصاد والأعمال والأعيان، لكنها شخصيات تمتلك وزناً سياسياً وحضوراً فكرياً واحتراماً لدى الرأي العام.
أما اليوم، فقد أصبح المشهد مختلفاً إلى حد بعيد. فمن المؤسف أن نجد وزراء يشكك كثيرون في توفر بعض شروط الكفاءة السياسية لديهم، فما بالك ببرلمانيين قضوا ولايتهم كاملة دون أن يتقدموا حتى بسؤال كتابي أو شفوي واحد، أو يساهموا بمبادرة تشريعية أو رقابية تعكس حجم المسؤولية التي يتحملونها.
كان الأجدر بكل مسؤول أن يطرح على نفسه سؤالين بسيطين في الصياغة، عميقين في المضمون: ماذا نريد؟ وماذا حققنا؟ لكن مثل هذه الأسئلة تحتاج إلى قدر كبير من الجرأة في محاسبة الذات، وهي للأسف أصبحت نادرة في زمن يغلب فيه منطق الصورة على منطق الإنجاز.
اليوم، يكفي أن تخطب أمام ثلاثة أو أربعة آلاف شخص، حتى تُمنح صفة الزعيم، ويُقدم لك التصفيق باعتبارك المنقذ الذي لا يسبقه أحد ولا ينافسه أحد، حتى وإن كان بلا برنامج واضح أو رؤية سياسية متكاملة.
إن السياسة ليست مهرجاناً خطابياً، ولا استعراضاً للحشود، ولا سباقاً نحو الأضواء. السياسة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون منافسة انتخابية، وهي التزام مع المواطنين قبل أن تكون وسيلة للوصول إلى المناصب.
وحين تفقد السياسة أخلاقياتها، يصبح أول الخاسرين هو المواطن، وثانيهم الدولة، وثالثهم العمل الحزبي نفسه، الذي يفقد تدريجياً ثقة المجتمع في جدواه وفي قدرته على إنتاج نخب قادرة على خدمة الصالح العام.
