spot_img

ذات صلة

كل المقالات

جدل واسع حول الإعلان عن حفل فني لكوميدية جزائرية بمسرح محمد الخامس بالرباط

أثار الإعلان عن تنظيم حفل فني لكوميدية جزائرية، مرتقب...

حين يصبح التبرع بالدم فعلَ وعيٍ جماعي.

في لحظة فارقة تعرف فيها المنظومة الصحية خصاصًا ملحوظًا...

سلسلة الواقع والمواقع الحلقة 23 : مبحوث عنه يسلم نفسه طلبا لمكافأة التبليغ عنه !!!

الواقع والمواقع … سلسلة مقالات ننشرها حصريا في جريدة “ديريكت بريس”، للتسلية والترفيه وأيضا للتوعية والتثقيف. نرصد من خلالها تفاصيل حدث خلق ضجة إعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لنتتبع تأثيره على ردود أفعال المواطنين وصناع القرار في العديد من دول العالم.

بقلم: رشيد صفـَـر

الحلقة 23 : مبحوث عنه يسلم نفسه طلبا لمكافأة التبليغ عنه !!!

في عالم الشوشيال ميديا انتشرت حكاية بلغ فيها العبث قمته، أكدت أنه لم يعد للمنطق طريق مستقيم، ففي هذه الحادثة الحقيقية الأغرب من الخيال، الزمن انقلب على عقبيه، وأصبحت الحقائق تطل علينا على شكل تغريدات ومنشورات افتراضية.
القصة حقيقية، لكنها تحمل أسلوب روايات السخرية السوداء، و بطلها ليس ممثلا أو شخصية خيالية أو مؤثر افتراضي، بل قيادي ميداني حقيقي في صفوف حركة طالبان الأفغانية مسجل خطر و مبحوث عنه، سلّم نفسه للشرطة طمعا في مكافأة عبارة عن مبلغ مالي قيمته 100 دولار، وتحولت هذه القصة إلى ترند على مواقع التواصل
الاجتماعي.

بداية الحكاية : عندما قرر المبحوث عنه أن يبحث عن نفسه.

في سنة 2012 بولاية باكتيكا، الواقعة جنوب شرقي أفغانستان، حيث الجبال تمتزج بالقسوة، والقرى تُخفي في صمتها ما لا تقوله المدن، و وسط بيئة يسيطر عليها التوجس والخوف، كانت السلطات الأفغانية قد عمّمت صورا للبحوث عنه خطير يُدعى محمد عشان، رجل متورط في هجومين داميين على القوات الأمنية، وتم تصنيفه كأحد العناصر المسلحة ذات الخطورة المتوسطة في هرم التنظيم.
نُشرت صوره في وسائل التواصل الاجتماعي وفي كل ركن من أركان المنطقة، من جدران المساجد إلى حيطان المحلات، مع عبارة صريحة :
“من يُبلغ عنه، له مكافأة قدرها 100 دولار أمريكي”.

قد يبدو المبلغ تافها في حسابات الحرب والاستخبارات، لكنه في سياق اقتصادي مثل الوضع العام في أفغانستان في تلك الفترة، حيث الحد الأدنى من فرص العيش الكريم غائب، يمكن أن يمثل حينها ثروة صغيرة تغير حياة يومية كاملة.
لكن ما لم يكن في الحسبان، هو أن من سيتقدم للحصول على المكافأة… سيكون هو المطلوب نفسه.

لحظة الدهشة: “أنا هو، أعطوني مكافأتي!”.

دخل محمد عشان إلى مركز الشرطة في منطقة “سار هوزا” بخطى ثابتة، لا خائفا ولا مرتعبا، بل ظهر بخطى رجل واثق من نفسه و بملامح شخص جاء لغرض مهم، ليقبض ما يعتقد أنه حقه، بعد القبض عليه ولا يمكن أن يكون غير مدرك حينها، أنه حتى ولو قبض المكافأة سيتم القبض عليه لإحالته على المحاكمة.
وصف أحد المسؤولين الأمريكيين هذا التصرف بالغباء الذي لا يصدق، مبرزا أن قصة “عشان” تشبه ألى حد كبير فيلم Home Alone للمخرج “ماكولي كولين”.
ما لا يمكن تفسيره – لا منطقيا ولا جنائيا – هو أن المبحوث عنه في مثل هذه القضايا الثقيلة الوزن، لن يغادر السجن للتمتع بالمكافأة، حيث تتكدس في ملفه صكوك اتهام من العيار الثقيل على غرار الإرهاب والتمرد و المس بأمن الدولة، وربما “مغالبة السلطة الحاكمة”، وهي جرائم تصل في العديد من الملفات إلى الإعدام أو السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، ورغم ذلك قرر المبحوث عنه أن يسلم نفسه… طواعية، بل وطرق بنفسه باب مركز الشرطة، لا للتعبير عن مراجعة مواقفه، ولا لطلب محامي، بل ليطالب بـ”المكافأة” !!.

في القانون الجنائي، يعتبر تسليم النفس في بعض الحالات ظرف تخفيف، لكنه لا يمنح تلقائيا، خاصة إذا تم بعد حملة ملاحقة ومذكرات بحث أمنية محلية ودولية، جعلت وجه المطلوب في زمن الشوشيال ميديا معروفا أكثر من وجه رئيس الدولة في بلده وباقي بلدان العالم. وبالتالي، فإن هذا “التسليم الطوعي” لا يمكن أن يصنف في مرتبة التعاون، بل هو أقرب إلى اعتراف ضمني، وبلغة القانون : إقرار أمام السلطة المختصة بما نسب إليه من أفعال. أي أن محمد عشان، بهذا الفعل “الغريب”، كان قد وفر على العدالة نصف الطريق، وأراح هيئة المحكمة من عناء الإثبات.

لكن سخرية المشهد لا تكمن فقط في فعل التسليم، بل في نية التحصيل، فأن يقدم شخص نفسه باعتباره الجاني، ثم يطالب بمكافأة مالية كانت مخصصة لمن يساعد في القبض عليه… فذلك يطرح أسئلة عصي على التفكيك والإجابة الصريحة :

هل يحق للمتهم، اعتبار مساعدته للشرطة في القبض على نفسه “تعاونا أمنيا” !؟.

وهل يدخل في نطاق الوشاية بالذات !؟. وهل يمكن تسليمه المكافأة وإطلاق سراحه وتمزيق مذكرة البحث وإسقاط التهم !!؟؟.
وفي أحسن الأحوال هل سينال المكافأة نقدا أم سيتم خصم المبلغ من غرامة الحكم !!؟.

سلوك محمد عشان هنا يتجاوز التصنيفات التقليدية للجانح أو الإرهابي، ويؤسس لنموذج جديد: الجاني – المُطالب بمكافأة التبليغ عنه !!! .. في عالم تسقط فيه الحدود بين الجريمة ومسرحها، وتغدو فيه مراكز الشرطة واستثباب الأمن مجرد صندوق شكايات مفتوح لتسليم النفس مقابل “قيمة مالية”.
في مركز الشرطة استقبله الضابط الأمريكي “ماثيو بايكر” مستغربا :
” غير معقول .. هل هذا أنت؟”..
رد الرجل بحماسة لم تكن في الحسبان :
“أجل، أجل، هذا أنا ..
هل يمكنني أن أحصل على مكافأتي الآن ؟.

الدهشة لم تكن في مسألة كون المطلوب سلم نفسه، بل في سذاجة الطلب وصدق النية الظاهرة على ملامحه. فقد بدا كما لو أنه يرى العملية كلها صفقة تجارية، يتنازل فيها عن “حريته” مقابل مبلغ نقدي مضمون.
لم تترك الشرطة الحسم للحدس أو الانطباعات. فتم إجراء فحص دقيق للشخص الذي جاء ليقدم نفسه مقابل مكافأة القبض عليه، (البصمات، ملامح الوجه، البصمة الصوتية…)، فكانت النتيجة : إنه هو بالفعل. المتمرد المطلوب، والملف الأمني يؤكد ذلك.

أي منطق خلف هذه الواقعة ؟

هذه الواقعة كشفت تشظيا حادا في منظومة منغلقة. فما الذي يدفع شخصا تربى داخل تنظيم أيديولوجي متطرف إلى خرق قانونه الداخلي بهذا الشكل العلني؟ أهو انهيار في الهرم المسيطر على تلك المنظومة؟ أم تعبير عن يأس مادي شديد؟ أم مجرد لحظة نادرة في عقلية مقاتل، استيقظ ذات صباح، وقرر التبليغ عن نفسه مقابل 100 دولار؟
وإن طرح هذه الأسئلة لا يعني تبرير الفعل أو إدانته، بل محاولة لفهم آليات الانهيار من داخل تلك المنظومة المتطرفة، ورصد اللحظة التي تفقد فيها العقلية المتشددة قبضتها، حين يطغى الواقع بكل هشاشته على أوهام الانتماء المطلق.

انتشار الخبر

بعد انتشار الخبر في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، تناسلت التعليقات بين من لم يصدق الأمر واعتبره تمثيلية، لإبراز هيمنة الشرطة وقوتها لحد تسليم المبحوث عنهم لأنفسهم دون أي محاولة للهروب أو الاستمرار في الاختفاء، وبين من رأى بأن هذا السلوك قد يعكس شيئا أخطر، أي هشاشة مثل هذه التنظيمات التي يتنمي لها المبحوث عنه في بلاغات وسجلات الشرطة، فحين يبقى الإنسان وجها لوجه مع الواقع المرّ، قد يصبح “الثمن” قابلا لإعادة التفاوض.

من بوابة الحرب إلى هاشتاغات السخرية

لم يمر الحدث مرور الكرام على منصات التواصل الاجتماعي.
فور تسريب القصة من صحيفة Washington Post، تحولت إلى تريند عالمي صغير تحت هاشتاغات مثل: طالباني يطالب بالمكافأة#
المطلوب يسلم رأسه# 100 دولار مقابل توبة#
وصارت القصة مادة أولية لصنّاع المحتوى الساخر، بين من أدرجها في مشهد تمثيلي، ومن صاغها في فيديوهات قصيرة بتقنية “الفويس أوفر”، وحتى من حولها إلى “ميمز” بطابع تراجيدي – كوميدي، حيث يظهر عشان ممسكا بصورة وجهه بجانب لافتة “مطلوب للعدالة مقابل 100 دولار” وهو يبتسم قائلا : “أين المكافأة !؟”.

ما بين الواقع والمواقع، يتسلل العبث كما لو كان ضيفا ثقيلا على طاولة المنطق. وما كانت لتكون هذه الحكاية حديث العام والخاص قبل عصر الصورة الفورية، و”التريند” الذي لا يرحم.
في عالمنا الجديد، لم تعد القضايا الكبرى الشائكة، تُناقش دائما بعمق بل تتحول بشكل سريع من واقع معقد إلى مادة للفرجة.

لا تسألوا هل “محمد عشان” حصل على مكافأته أم لا، فالمؤكد أنه ترك لنا سؤالا محيرا :
هل لهذه التوبة معنى في زمن تحكمه مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعطي للجميع الحق في أبداء الرأي حتى في المواضيع المعقدة والعصية على التفسير !؟.
في عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، وتختلط القضايا الجادة بالهزل على منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الأحداث الشائكة تُناقش في تعليقات و”تريندات” المبحرين على الإنترنت أكثر من عدد جلسات المناقشة على طاولات صناع القرار.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا
Captcha verification failed!
فشل نقاط مستخدم captcha. الرجاء التواصل معنا!
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img