spot_img

ذات صلة

كل المقالات

جدل واسع حول الإعلان عن حفل فني لكوميدية جزائرية بمسرح محمد الخامس بالرباط

أثار الإعلان عن تنظيم حفل فني لكوميدية جزائرية، مرتقب...

حين يصبح التبرع بالدم فعلَ وعيٍ جماعي.

في لحظة فارقة تعرف فيها المنظومة الصحية خصاصًا ملحوظًا...

سلسلة الواقع والمواقع : سفيان سميع .. من صحافي مهني إلى فارس المؤثرين المغاربة

الواقع والمواقع … سلسلة مقالات ننشرها حصريا في جريدة “ديريكت بريس”، للتسلية والترفيه وأيضا للتوعية والتثقيف. نرصد من خلالها تفاصيل حدث خلق ضجة إعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لنتتبع تأثيره على ردود أفعال المواطنين وصناع القرار في العديد من دول العالم.
بقلم : رشيد صفـَـر

الحلقة 21 : سفيان سميع .. من صحافي مهني إلى فارس المؤثرين المغاربة.

لا أحد كان يتوقع أن يُطوى حلم الإذاعة بتلك السرعة، ولا أحد كان يظن أن هذا الشاب الذي أثبت بجدارة علو كعبه في مغازلة الميكروفون، ومحاورة النجوم بأسلوب عفوي وضاحك وبطريقة تساير العصر، وتقديم الأخبار برصانة صوتية نادرة ممزوجة بالخفة النفاذة للوجدان، سيحزم حقيبته فجأة ودون سابق إنذار، ليغادر الجغرافيا الكلاسيكية للصحافة الإذاعية، في رحلة معكوسة من الانتماء لـ “صاحبة الجلالة” أي “الصحافة” إلى الارتماء في أحضان “إمبراطورية الألغوريتم”.

سفيان سميع، المنشط الإذاعي والصحفي المهني، يحمل ميزة لا يمكن تجاهلها .. إنها نبرة صوته.
يمتلك صوته نبرة دافئة وعميقة تُركز على الطبقات المنخفضة والمتوسطة.
نوعية صوته “معدنية” و دافئة، مما يعزز جاذبيتها، كما يمكن تصنيفها كصوت “باريتوني”، يناسب التقديم الإعلامي والرقمي بفضل قوة الصوت و وضوحه.
يحمل في نبرته شيئا من التميّز الفطري، و ينطق حرف “الراء” كـ”غين”، لكن بطريقة سلسة تحوّلت من عيب في النطق إلى علامة مسجلة، فهي نبرة موسيقية تستقر في الأذن مثل لحن الكروان… أو “الكغوان”، كما ينطقها سفيان نفسه بابتسامة صادقة.
كان ولا يزال هذا الانزياح الصوتي جزء من سحره إذ منحه هوية سمعية خاصة، لا تنتقص منه بل تضيف إليه طابعا فريدا، يجعل المتلقي لا يخطئ التعرف على صوته، من بين آلاف بل وملايين الأصوات.
إنها نبرة لا تُشبه نبرة أحد، تعكس عمق العلاقة بين المتكلم والمتلقي، خاصة في الفضاءات الرقمية التي تعتمد على الانطباع الأولي وسرعة التأثر.
تتسرب نبرة صوته للأذن وكأنها تخرج بانسياب من آلة وترية نادرة في إذاعة سبقت زمانها، فيها حنين الزمن الجميل، وحداثة المستمع الذكي.
لقد تحوّل نطقه الغين بدل الراء إلى لحن شخصي يستقر في الذاكرة السمعية للمشاهدين، حتى بات المستمعون يرددون عفويا : “سمعت سفيان”، دون أن يروه، فقط لأن نبرته لا تخطئ الأذن.
ومن الطرائف التي ميزت مسار سفيان خلال مرحلة التكوين في المعهد، ما حدث خلال تنظيم “كاستينغ” لاختيار منشط لفائدة شركة إنتاج، كانت تعتزم حينها وبالضبط في سنة 2009، تنظيم مهرجان ثقافي بالمدينة الزرقاء .. أصيلا الساحلية.
كان الاختبار موجها أساسا لطلبة السنة الثالثة، الذين كانوا حينها على مشارف التخرج، بينما لم يكن سفيان قد تخطى السنة الأولى بالمعهد، ورغم رفض أستاذ المعهد المكلف بالتنسيق، طلب سفيان لفرصة إجراء الاختبار قصد المشاركة، أصرّ “الكروان” على خوض المغامرة، مستعينا بجرأته المعهودة، فقام بالتسلّل إلى استوديو الكاستينغ بعد الإلحاح وإقناع المنسق، فحدث ما لم يكن في الحسبان !!!.
وقع اختيار مسؤولي شركة الإنتاج عليه، دون أن يعلموا بأنه لا يزال في سنته الأولى، إذ انبهروا بحضوره وأدائه العفوي وتمكنه من الإلقاء والوقوف بتباث أمام لجنة الاختبار، وخاض تلك التجربة قبل التخرج، إذ نشط فقرات المهرجان المذكور، كما تكلف أيضا بإجراء حورات في الإذاعة الشاطئية للمهرجان مع مؤلفين وفنانين، كانوا ضيوفا لهذه التظاهرة الثقافية، إذ ترك حضور سميع صدى طيبا لدى المنظمين والمشاركين وضيوف المهرجان، وحق حينها للمعهد أن يفتخر بالطالب سميع، الذي مثله خير تمثيل.
بعد تخرجه من المعهد احترف التنشيط الإذاعي، وبحضور الواثق من نفسه ومؤهلاته، راكم تجربة غنية في إذاعة خاصة، لكنه لم يُرِد أن يكون مجرد صوت خلف الميكروفون يقرأ نصوصا تحت الطلب. كان يبحث عن مساحة أوسع .. عن منصة تمنحه حرية التعبير وتُتيح له مخاطبة جمهور متنوع ومختلف.

في لحظة مفصلية أواخر سنة 2019، شارك نقاشا عميقا مع صديقه الفنان عبدو الشامي، الذي راكم بدوره تجربة مهمة في مجال المسرح والكوميديا والدراما التلفزيونية والإذاعة أيضا، كان نقاشا مثمرا حول التحول من الراديو إلى المنصات الرقمية :
أي محتوى يمكن أن يُقدم سفيان دون أن يسقط في فخ الابتذال؟.
وكيف يمكن للتجربة الإذاعية أن تمكنه من التموقع داخل فضاء سمعي بصري يعج بالسطحية والتفاهة ؟
جاءت الإجابة على شكل مشروع رقمي طموح، أطلق عليه سفيان : “هاشتاغ سميع”.
منصة معرفية صغيرة الحجم، لكنها عميقة التأثير، تقدم كبسولات تمزج بين التثقيف والفرجة، وتُناقش مواضيع تُغذي العقل وتطرح أسئلة مستفزة للعقل والوجدان :

هل الأرض مسطحة أم كروية !؟.

ماذا سيقع إذا اختفت البحار !؟.

السماء تمطر سمكا !!.

السفر عبر الزمن أخطر تجربة علمية في التاريخ !!.

بدأ “الكغوان” في تعميم كبسولته “هاشتاغ سميع” في سنة 2020 على منصة يوتيوب، وصلت قناته في الأسبوع الأول من شهر أبريل 2025، لأكثر من 30 مليون مشاهدة، دون احتساب نسبة المشاهدة بباقي منصات التواصل الاجتماعي، لكنه لم يتوقف عند الويب فحسب.
ففي هذه السنة، شاءت الظروف أن يُشارك بدور موثر في أحداث فيلم سينمائي طويل بعنوان “زاز”، إلى جانب صديقه الفنان عبدو الشامي بطل الفيلم.
فيلم “زاز” فرجة سينمائية تنتمي لنوعية “الدراما _ كوميدي” مع لمسة التشويق البوليسي، وهو من إخراج يوسف المدخر، و يتناول الفيلم بأسلوب ساخر عالم الشهرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقد جسّد فيه سفيان سميع، دور مراسل قناة “الريح”، الذي يلهث خلف “البوز” ويُطارد الحياة الخاصة للمشاهير الذين يُتقنون الضجيج على مواقع التواصل الاجتماعي.
يشكل هذا الدور مرآة ساخرة :
صحفي يُجسّد نموذجا انتقده مرارا عبر كبسولاته.
و كأنّه، بهذا الأداء، سيقول للجمهور : “أنا أفهم من أين جاؤوا للشهرة الرقمية، وأعرف اللعبة من الداخل، لكنني اخترت أن أغيّر القواعد”.

لم يقتصر حضوره على الكاميرا والمايكروفون، بل كانت له أيضا تجربة في كتابة وأداء أصوات حلقات رسوم متحركة على الويب، موجّهة لفئة اليافعين، حيث زاوج بين التسلية والإبهار، وقدم شخصيات طريفة بأصوات مختلفة. كان الصوت حينها، أداة للحكاية لا للإخبار، ومساحة للتمثيل لا للإلقاء الإذاعي فقط.

بعد سرد محطات مهمة من مسار سفيان سميع، تتبادر إلى الذهن أسئلة مستفزة له وللقاريء والمتابعين لـ “هاشتاغ سميع” :

هل نحن أمام حالة معزولة !؟، أم أن تجربة سفيان سميع تعكس تحوّلا أوسع في علاقة الصحفي بالمعلومة، والمعلومة بالمنصة، والمنصة بالجمهور !؟.

إن ما يُميز هذا المسار ليس فقط التحول من الإعلام الكلاسيكي إلى الرقمي، بل القدرة على إعادة صياغة الذات مهنيا، دون أن تفقد مشروعيتها أو جديتها.

في زمن “أنا سمكة” و”كبّسْ ولا تقرأ” و “شاهد قبل الحذف”، قرر سفيان أن يكون هو الفارس الذي ينطلق فوق صهوة حصانه ضد التيار.
صوتٌ خرج من الإذاعة، لكنه لم ينقطع. بل وجد له متنفسا آخر في منصات لا تعترف إلا بمن يملك شيئًا ليقوله بالإقناع عن طريق المعالجة الذكية.
هاشتاغ سميع .. ليس فقط برنامجا رقميا، بل تجربة رائدة تنحت لنفسها مكانا في مشهد يضج بالفوضى، لكن يبدو أن سفيان يؤمن أن الفوضى لا تُقصي العقل … بل تحتاج فقط لمن يُجيد مخاطبته عبر الشوشيال ميديا.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا
Captcha verification failed!
فشل نقاط مستخدم captcha. الرجاء التواصل معنا!
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img