spot_img

ذات صلة

كل الاخبار

جائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس: تأهل الإيطالي لوسيانو دارديري إلى دور ربع النهائي

 تأهل اللاعب الإيطالي لوسيانو دارديري، اليوم الأربعاء، إلى دور...

ماكرون يرد على ترامب: فرنسا خارج الحرب على إيران.

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده لن تشارك...

عبقرية الملك محمد السادس في ترسيخ الحكامة الاستراتيجية الإفريقية.

بقلم حبيل رشيد تمضي الدولة في زمن التحولات العميقة بخطى...

مائدة مستديرة بكلية الآداب بنمسيك تناقش دور الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تحقيق التنمية المندمجة

نظمت شعبة الجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار...

عبقرية الملك محمد السادس في ترسيخ الحكامة الاستراتيجية الإفريقية.

بقلم حبيل رشيد

تمضي الدولة في زمن التحولات العميقة بخطى واثقة، مستندة إلى رؤيةٍ دقيقةٍ تتسم بصفاء الاختيار، واتساع الأفق، وعمق التقدير… رؤيةٌ يقودها الملك محمد السادس، رؤيةٌ تجعل من الفعل العمومي مجالاً لإعادة البناء، ومجالاً لإعادة التوجيه، ومجالاً لإعادة الصياغة، حيث تنتظم الأولويات في نسقٍ منسجم، يزاوج بين الاستمرارية والتجديد، ويمنح الحكامة بعداً عملياً متقدماً، يلامس جوهر التدبير، ويعيد ترتيب مساراته نحو الإنجاز الملموس والتأثير المتدرج…

وتتشكل هذه المقاربة من وعيٍ عميقٍ بطبيعة المرحلة، ووعيٍ أدقّ بخصوصية الفضاء الإفريقي، حيث تتعاظم رهانات السيادة الاقتصادية، وتتسع دوائر التحديات البنيوية، وتتنامى الحاجة إلى نماذج تدبيرية تستوعب التعقيد، وتفكك تشابكاته، وتعيد تنظيم عناصره في إطارٍ من الانسجام والتكامل… وهو ما يفضي إلى توجيه الإمكانات نحو بناء شراكات متوازنة، قائمة على تبادل المصالح، وتكامل الخبرات، وتلاقح التجارب، بما يرسخ نموذجاً عملياً يجمع بين الانفتاح الواعي والحفاظ على الخصوصية الوطنية، ويؤسس لمسارٍ تنمويٍّ متصلٍ وقابلٍ للتطور والاستمرار…

وفي هذا السياق، تتخذ الحكامة الإفريقية بعداً استراتيجياً متقدماً، حيث تتحول من مجرد مفهومٍ نظري إلى أداةٍ عمليةٍ لإعادة ترتيب الفعل العمومي، وإعادة توزيع الأدوار، وإعادة تحديد المسؤوليات، بما يضمن حسن تدبير الموارد، ويؤطر القرارات ضمن منطقٍ من الشفافية والنجاعة، ويجعل من المؤسسات فضاءاتٍ حقيقية للإنتاج، ومجالاتٍ حيوية لصناعة القيمة، ودوائرَ فعالة لتوجيه التحولات…

إن الحكامة الإفريقية في هذا التصور ليست إطاراً إدارياً جامداً، وإنما هي دينامية مستمرة، قوامها التفاعل، ومرتكزها التنسيق، وغرضها تحقيق التوازن بين الإمكانات المتاحة والتحديات المطروحة، حيث يُعاد تشكيل القرار العمومي وفق تقديرٍ استراتيجيٍّ يستحضر الامتداد الزمني، ويستوعب التعقيد المجالي، ويوازن بين الإكراهات والفرص، ويمنح الدولة قدرةً متنامية على التكيف، وقدرةً أدقّ على المواجهة، وقدرةً أوسع على الاستباق…

ويمتد هذا التصور ليشمل تعزيز الحضور داخل العمق الإفريقي عبر تطوير شراكات متعددة الأبعاد، شراكات تشمل البنيات التحتية، شراكات تشمل الطاقة، شراكات تشمل الفلاحة، شراكات تشمل الخدمات، في إطار رؤيةٍ متكاملةٍ تُعلي من قيمة التعاون، وتُرسخ منطق التكامل، وتُعمق روابط الثقة، وتُعيد صياغة العلاقات على أسسٍ متينةٍ من التنسيق والتقارب والتضامن…

وتتجلى قوة هذه الرؤية في قدرتها على إعادة تعريف مفهوم الدولة الممتدة، حيث لا يُختزل الامتداد في البعد الجغرافي، وإنما يتجاوز ذلك إلى الامتداد في التأثير، والامتداد في المبادرة، والامتداد في القدرة على الفعل داخل محيطٍ إقليميٍّ متغير… امتدادٌ يجعل من الدولة فاعلاً مركزياً في محيطها، وشريكاً موثوقاً في علاقاتها، وقوةً اقتراحيةً في مواقفها…

كما أن هذا الامتداد يعكس تحولاً نوعياً في فهم السيادة، حيث تصبح السيادة مرتبطةً بالقدرة على التأثير في محيطٍ واسع، وبالقدرة على بناء تحالفاتٍ ذكية، وبالقدرة على خلق توازناتٍ جديدة، تضمن المصالح الوطنية، وتُعزز الاستقرار الإقليمي، وتفتح آفاقاً رحبة للتنمية المشتركة…

ومن خلال هذا المسار، تتعزز مكانة المغرب داخل القارة الإفريقية، وتتكرس صورته كفاعلٍ وازنٍ، يمتلك رؤيةً واضحة، ويعتمد منهجيةً دقيقة، ويؤمن بأهمية التعاون، ويشتغل وفق منطقٍ منسجمٍ يجمع بين الواقعية والطموح… منطقٌ يجعل من الحكامة الإفريقية مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية، وأداةً فعالةً لتجاوز التحديات، وإطاراً مرناً لبناء مستقبلٍ أكثر توازناً واستقراراً…

إنها رؤية تتسم بالعمق، رؤية تتسم بالاتساع، رؤية تتسم بالوضوح… رؤيةٌ تجعل من الدولة كياناً حياً، متجدداً، متفاعلاً… كياناً لا يتوقف عند حدود الحاضر، ولا ينغلق داخل إكراهاته، وإنما ينفتح على المستقبل، ويصوغه، ويشارك في رسم معالمه، ويؤسس لمساراته…

وهكذا تتجسد عبقرية القيادة في قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى تحويل الإمكانات إلى إنجازات، وعلى تحويل الرؤية إلى واقع… واقعٍ تُصنع ملامحه عبر حكامة إفريقية متبصرة، حكامة إفريقية متوازنة، حكامة إفريقية قادرة على أن تمنح الدولة امتدادها الطبيعي، ومكانتها المستحقة، ودورها الفاعل داخل قارةٍ تبحث عن ذاتها، وتعيد بناء مستقبلها…

spot_imgspot_imgspot_img