ديريكت بريس مغرب
في واحدة من أكثر المفارقات إثارة في تاريخ الصفقات العسكرية، تحولت طائرات مقاتلة كانت مخصصة لإيران في عهد الشاه إلى عنصر أساسي في التفوق الجوي الإسرائيلي، بل واستُخدمت لاحقاً في قصف المفاعل النووي العراقي سنة 1981.
في أكتوبر 1976، وقع نظام الشاه محمد رضا بهلوي اتفاقاً ضخماً مع لوكهيد مارتن والولايات المتحدة لاقتناء 160 مقاتلة من طراز F‑16 Fighting Falcon، مع خيار شراء 140 طائرة إضافية. بلغت قيمة الصفقة آنذاك أكثر من 3.5 مليار دولار، وكان الهدف منها تحديث سلاح الجو الإمبراطوري الإيراني ومنحه تفوقاً جوياً واسعاً في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
لكن الأحداث السياسية قلبت المعادلة بالكامل. ففي عام 1979، أطاحت الثورة الإسلامية الإيرانية بنظام الشاه، وأعلنت الحكومة الجديدة إلغاء الصفقة العسكرية مع واشنطن. ورغم أن بعض المعدات وقطع الغيار كانت قد وصلت بالفعل إلى إيران، فإن الطائرات نفسها لم تُسلّم أبداً وبقيت في خطوط الإنتاج الأمريكية.
من إيران إلى إسرائيل
بعد إلغاء الصفقة، قررت الولايات المتحدة إعادة توجيه جزء من هذه الطائرات إلى إسرائيل. وفي أبريل 1979 أعلنت مصادر أمريكية أن تل أبيب ستحصل على عدد كبير من الطائرات التي كانت موجهة أصلاً لإيران. وبدأت عمليات التسليم في يوليو 1980، ليصل عدد المقاتلات من هذا الطراز في سلاح الجو الإسرائيلي إلى أكثر من خمسين طائرة بحلول عام 1981.
هذا التحول منح إسرائيل دفعة قوية في قدراتها الجوية، إذ كانت مقاتلة F-16 آنذاك من أكثر الطائرات تطوراً في العالم من حيث السرعة والدقة والقدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
عملية “أوبرا” وقصف مفاعل تموز
في 7 يونيو 1981 استخدم سلاح الجو الإسرائيلي هذه الطائرات في واحدة من أشهر العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، وهي عملية أوبرا التي استهدفت المفاعل النووي العراقي المعروف باسم مفاعل أوزيراك أو “تموز-1”.
شاركت ثماني طائرات F-16 في تنفيذ الضربة، برفقة ست طائرات حماية من طراز F‑15 Eagle. حلّقت الطائرات على ارتفاع منخفض عبر مسار طويل لتفادي الرادارات، قبل أن تصل إلى الهدف قرب بغداد.
في أقل من دقيقة ونصف، ألقت الطائرات 16 قنبلة ثقيلة من طراز Mk‑84 bomb، أصابت معظمها المفاعل بدقة عالية، ما أدى إلى تدميره بالكامل قبل دخوله مرحلة التشغيل النووي. ولم تخسر إسرائيل أي طائرة في العملية.
مفارقة تاريخية
بعد عقود من العملية، وصف عدد من الطيارين الإسرائيليين هذه القصة بأنها واحدة من أكبر المفارقات في التاريخ العسكري: طائرات طلبتها إيران في عهد الشاه انتهى بها المطاف في سلاح الجو الإسرائيلي، واستُخدمت لاحقاً في عملية غيّرت موازين القوى النووية في المنطقة.
واليوم يشكل أسطول F‑16 Fighting Falcon أحد أعمدة القوة الجوية الإسرائيلية، حيث يضم مئات الطائرات التي لعبت أدواراً مختلفة في العمليات العسكرية والتدريبات على مدى العقود الماضية.
درس في تقلبات السياسة
تكشف قصة صفقة F-16 الإيرانية المفقودة كيف يمكن للتحولات السياسية والثورات أن تغيّر مسار صفقات عسكرية كبرى، بل وأن تعيد توجيهها لخدمة مصالح خصوم الأمس. إنها قصة تختصر تعقيدات السياسة الدولية، حيث قد تتحول قرارات سياسية مفصلية إلى عوامل تعيد رسم موازين القوة في المنطقة لسنوات طويلة.

