تشهد صناعة أشباه الموصلات العالمية ضغوطاً متزايدة في ظل التوترات الجيوسياسية، خاصة مع تأثيرها المباشر على سلاسل الإمداد الحيوية المرتبطة بالطاقة والمواد الأولية، حيث تعتمد شركات كبرى مثل TSMC بشكل كبير على استقرار الإمدادات العالمية.
وتُعد الشركة التايوانية من أبرز الفاعلين في هذا المجال، إذ تُصنّع نحو 90 في المائة من أشباه الموصلات المتقدمة، كما تنتج غالبية رقائق الذكاء الاصطناعي التي تصممها شركة إنفيديا، ما يجعل أي اضطراب في سلاسل التوريد العالمية ذا تأثير مباشر على قطاع التكنولوجيا.
وتعتمد كل من تايوان وكوريا الجنوبية بشكل شبه كلي على واردات الطاقة، خصوصاً من الشرق الأوسط، حيث تمر نسبة كبيرة من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما يجعل المنطقة عرضة لتقلبات حادة في حال تصاعد التوترات.
ولا تقتصر التحديات على الطاقة فقط، بل تمتد إلى المواد الأساسية المستخدمة في تصنيع الرقائق، مثل غاز الهيليوم الذي تُوفر قطر نحو ثلث إمداداته العالمية، ويُستخدم في تبريد رقائق السيليكون، إلى جانب مادة البروم المستخرجة من البحر الميت، والتي تدخل في عمليات تصنيع دقيقة داخل هذه الصناعة.
ويرى خبراء أن هذه العوامل مجتمعة تزيد من هشاشة سلاسل التوريد العالمية، خاصة في ظل ارتفاع الطلب على أشباه الموصلات من قطاعات التكنولوجيا والسيارات الكهربائية، في وقت تعاني فيه الأسواق أصلاً من نقص في بعض المواد الحيوية مثل الكبريت المستخدم في تنظيف الرقائق.
وفي هذا السياق، أكد جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، أن الحرب الحالية تسببت في خسائر كبيرة لشركات الرقائق، معتبراً أن هذه الخسائر “طبيعية” بالنظر إلى التأثير المباشر على قطاع يُعد من أكثر القطاعات استهلاكاً للطاقة.
وأشار إلى أن الشركات الآسيوية، وعلى رأسها TSMC، تواجه تحديات متزايدة نتيجة اضطرابات إمدادات الطاقة، إضافة إلى نقص بعض المدخلات الأساسية مثل الهيليوم، ما يهدد استمرارية الإنتاج ويزيد من كلفة التشغيل.
كما لفت إلى أن ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة يزيد من الضغوط على الطلب، خاصة أن قطاع أشباه الموصلات يعتمد بشكل كبير على التمويل، ما يدفع المستثمرين إلى تبني سياسة “العزوف عن المخاطرة”، وهو ما انعكس في تراجع الأسواق خلال الفترة الأخيرة.
من جهة أخرى، أبرز تقرير لشبكة سي إن بي سي أن استمرار التوترات قد يخلق حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل سلاسل إمداد الرقائق، خاصة في ما يتعلق بالمواد الأساسية القادمة من الشرق الأوسط، إلى جانب المخاوف المرتبطة بأمن البنية التحتية الرقمية.
بدوره، أكد محمد سعيد، الخبير في أسواق المال، أن إغلاق مضيق هرمز شكّل صدمة قوية للأسواق العالمية، نظراً لمرور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز عبره، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتزايد الضغط على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعلى رأسها صناعة الرقائق.
وأوضح أن شركات التكنولوجيا، خاصة في آسيا، تواجه ارتفاعاً في تكاليف التشغيل وتراجعاً في هوامش الربح، بالتزامن مع اضطرابات في إمدادات المواد الخام، ما يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم هذه الشركات وفق توقعات أكثر تحفظاً.
وختم بالقول إن الأزمة الحالية كشفت الترابط العميق بين قطاع التكنولوجيا وأسواق الطاقة العالمية، مؤكداً أن الضغوط قد تستمر على المدى القصير، لكنها قد تتراجع مع أي انفراج جيوسياسي، خاصة في ظل الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

