بورتري سياسي.
يُعد عبد الإله بنكيران من أبرز الشخصيات السياسية التي طبعت المشهد الحزبي المغربي منذ بداية الألفية الثالثة، حيث ارتبط اسمه بتحولات عميقة عرفها الإسلام السياسي في المغرب وبمرحلة ما بعد دستور 2011. ولد بنكيران سنة 1954 بمدينة الرباط داخل أسرة فاسية ، وتابع دراسته الجامعية في مجال الفيزياء، قبل أن يتجه مبكراً نحو العمل السياسي داخل الحركات الإسلامية خلال سبعينيات القرن الماضي، في سياق سياسي كان يتسم بتوتر شديد بين الدولة والتيارات الراديكالية.
انخرط في بداياته داخل تنظيم “الشبيبة الإسلامية” الذي كان يقوده عبد الكريم مطيع، غير أن مسار التنظيم عرف منعطفاً حادا بعد أحداث سياسية وأمنية بارزة منتصف السبعينيات، ما دفع بنكيران وعددا من رفاقه إلى مراجعة خيار العنف و الاتجاه نحو العمل العلني والمشاركة السياسية التدريجية. ومن هذا التحول نشأت “الجماعة الإسلامية” التي ستتطور لاحقاً إلى “حركة الإصلاح والتجديد”، ثم إلى “حركة التوحيد والإصلاح”، التي شكلت الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية.
خلال التسعينيات، و مع إعادة هيكلة الحقل السياسي المغربي، جرى إدماج التيار الإسلامي في العمل الحزبي عبر حزب “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية” الذي سيحمل لاحقاً اسم “حزب العدالة والتنمية” سنة 1998. وقد شكل هذا المسار لحظة انتقال من العمل الدعوي إلى المشاركة السياسية المؤسساتية، حيث برز بنكيران كأحد أبرز قيادات الحزب و صوته السياسي الأكثر حضورا.
عرفت علاقة بنكيران مع الدولة المغربية، خصوصا خلال فترة وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، نوعا من التوازن الحذر، حيث سمحت الدولة بهامش من الاشتغال السياسي المنظم للحزب في إطار ضوابط واضحة، مقابل تبني خطاب سياسي معتدل وتجنب المواجهة المباشرة. ومع مطلع الألفية، عزز الحزب حضوره التدريجي داخل المؤسسات المنتخبة، إلى أن بلغ ذروته السياسية بعد حراك 20 فبراير 2011 وإقرار دستور جديد عزز صلاحيات الحكومة.
في انتخابات 2011، تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج، وتم تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة، في أول تجربة حكومية للحزب. خلال هذه المرحلة، اشتهر بنكيران بأسلوبه الخطابي المباشر والساخر أحيانا ، وبتعبيرات سياسية أصبحت متداولة على نطاق واسع مثل “التماسيح والعفاريت”، في إشارة إلى مراكز النفوذ غير المعلنة التي اعتبرها تعرقل الإصلاح. كما رفعت حكومته شعار “عفا الله عما سلف” في تدبير عدد من الملفات الاقتصادية والمالية المرتبطة بالماضي.
بعد انتخابات 2016، دخل بنكيران في أزمة سياسية معقدة حالت دون تشكيله الحكومة رغم تصدر حزبه النتائج، وهي الأزمة التي عُرفت إعلاميا بـ“البلوكاج الحكومي”، قبل أن يُعفى من مهمة تشكيل الحكومة ويُكلف سعد الدين العثماني بدلًا منه. وقد شكل هذا الحدث نقطة تحول بارزة في مساره السياسي.
عاد بنكيران لاحقاً إلى الواجهة السياسية سنة 2021 عندما أعيد انتخابه أميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية بعد تراجع كبير في نتائج الحزب الانتخابية. ويُنظر إليه اليوم كشخصية سياسية أثرت بشكل كبير في مرحلة الانتقال الديمقراطي النسبي بالمغرب، سواء من خلال قيادته للحكومة أو عبر أسلوبه الخطابي الذي مزج بين الشعبية والجدل السياسي.
