spot_img

ذات صلة

كل الاخبار

هدم البنايات العشوائية بدوار الضرابنة ببوسكورةلفتح محاور طرقيةجديدة وتحسين المشهد الحضري

في إطار تنزيل برامج التهيئة الحضرية الهادفة إلى محاربة...

أزمة صامتة ببرشيد .. تأخر تصاميم التهيئة يفتح الباب للفوضى العمرانية ويُجمّد التنمية.

العلوي رضى. تُعتبر وثائق التعمير بمثابة البوصلة التي تضبط التوسع...

دراسة توصي دول شمال إفريقيا بالتعاون لامتصاص ارتدادات الأزمات الدولية.

أوصت دراسة حديثة نشرها معهد الشرق الأوسط للدراسات السياسية...

اتصالات المغرب تحقق 1.3 مليار درهم أرباحاً صافية في الربع الأول من 2026 رغم تراجع طفيف

العلوي رجاء سجلت اتصالات المغرب نتيجة صافية لحصة المجموعة تجاوزت...

تحذيرات أوروبية وأميركية بشأن مفاوضات إيران: غياب الخبراء النوويين يهدد باتفاق ضعيف

حذّرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس،...

أزمة صامتة ببرشيد .. تأخر تصاميم التهيئة يفتح الباب للفوضى العمرانية ويُجمّد التنمية.

العلوي رضى.

تُعتبر وثائق التعمير بمثابة البوصلة التي تضبط التوسع العمراني وتُحقق التوازن بين الحق الخاص والمصلحة العامة؛ غير أن إقليم برشيد يعيش على وقع أزمة صامتة أطاحت بهذه البوصلة منذ أكثر من عشر سنوات، بعد أن تأخر تجديد تصاميم التهيئة لعدد من جماعاته الترابية. ولم يعد هذا التأخير مجرد خلل إداري عابر، بل تحوّل إلى أزمة هيكلية خطيرة، تسببت في شلل تنموي، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الاستثناءات ومخالفات البناء، وخلقت فوضى عمرانية منظمة في قلب الجماعات التي تعاني من هذا الفراغ القانوني.

في غياب تصميم التهيئة، تفقد الجماعات الترابية أداة التخطيط الأساسية التي تحدد مصير الأراضي والمرافق العمومية. وتوصف مدينة برشيد بأنها تعيش بلا “”بوصلة عمرانية”، حيث تظل المشاريع معلقة، وتضيع حقوق الساكنة وسط ضبابية قانونية خانقة.

الانعكاسات الميدانية لهذا الجمود ظاهرة للعيان؛ إذ يتم تجميد استثمارات كبرى في قطاعات العقار والصناعة والتجارة بفعل غياب رؤية واضحة، وتتدهور جمالية الاقليم جراء توسع عمراني فوضوي غير مضبوط . ولم يعد المواطن البسيط بمنأى عن هذه الأزمة، فهو الخاسر الأكبر، محروماً من السكن المنظم، والمساحات الخضراء، والمدارس والمراكز الصحية في محيط قريب.

في هذا الصدد، تؤكد فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، أن وثائق التعمير ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي “أدوات أساسية لتخطيط التنمية داخل المجال الترابي، ووسيلة لتحقيق العيش الكريم للمواطنين، بالإضافة إلى كونها آلية لتعزيز الشفافية في تدبير قطاع التعمير”.

عند غياب خارطة طريق واضحة لاستعمالات الأراضي ومواقع المرافق العامة، تبرز خطورة لجوء السلطات إلى منح تراخيص البناء الاستثنائية على أساس مشاريع ذات طابع سياحي أو صناعي أو خدماتی. وتكشف معطيات ميدانية أن بعض المستثمرين والأفراد سارعوا إلى استغلال الفراغ القانوني والاستفادة من هذه الاستثناءات للحصول على تراخيص بناء فوق أراضٍ كان من الممكن أن تشغلها المساحات الخضراء والمدارس والمراكز الصحية.

وهذا الوضع لم يؤد فقط إلى الحرمان من المرافق الأساسية، بل خلق فرصاً للاستغلال غير المشروع من طرف بعض الجهات ذات النفوذ، ما حوَّل أزمة التعمير إلى جريمة عمرانية ترتكب في حق الأجيال القادمة، وتدفع ثمنها الساكنة التي وجدت نفسها تعيش في أحياء حديثة بدون خدمات أساسية.

لم تغفل السلطات حجم الكارثة التي خلفها هذا الجمود؛ إذ شرع السيد جمال خلوق عامل إقليم برشيد، فور تنصيبه في دراسة ملف زحف البناء العشوائي في عدد من الجماعات. وفاجأته الوقائع حينما تفاجأ بوجود سوق غير منظم يزحف على مقر باشوية مدينة الدروة، بالإضافة إلى انتشار العشوائيات في دواوير كبرى مثل الجيلالي والأطلسيين.

لجأ العامل إلى تدابير صارمة، حيث أمر بإيفاد لجان مختلطة لمراقبة مجموعة من المخالفات التي تم رصدها خلال العهدة السابقة، وشملت متابعة بناء فيلات ومنازل لمسؤولين منتخبين وبرلمانيين، ما يعكس استغلال النفوذ للالتفاف على قوانين التعمير. ويبقى السؤال الأهم: هل هذه الحملات كافية لوقف النزيف عندما تكون وثائق التهيئة الأساسية نفسها لا تزال حبيسة الأدراج ؟

لم يعد ملف التعمير ببرشيد مجرد قضية محلية، بل انتقل إلى أروقة البرلمان، وسط تضييق متزايد من المستثمرين والمنتخبين على الحكومة لتسريع إخراج التصاميم العالقة. ورفع عدد من البرلمانيين بالاقليم أصواتهم محذرين من أن التأخير صار “عاملاً كابحاً للاستثمار“، يتسبب في تجميد المشاريع وإرباك العلاقة بين المواطن والإدارة.

وتتجه الأنظار الآن نحو الإجراءات المستعجلة التي تعتزم وزارة التعمير اتخاذها للخروج من عنق الزجاجة، حيث يُنتظر أن تعرض جدولة زمنية واضحة لاعتماد تصاميم التهيئة المتوقفة. لكن المؤكد أن الأضرار قد وقعت بالفعل على أرض الواقع، وستحتاج الجماعات التي استشرت فيها الفوضى العمرانية إلى سنوات لتصحيح ما أفسده غياب التخطيط وفراغ التصاميم، وهو ما يجعل معالجة هذا الملف العالق أولوية قصوى لإنقاذ ما تبقى من الرصيد العمراني والمكاني بإقليم برشيد.

spot_imgspot_imgspot_img