spot_img

ذات صلة

كل الاخبار

ترند الثمانينيات: حين يحن جيل الذكاء الاصطناعي إلى زمن الغيوان ورويشة..

عبد الغني سوري هل سرقت الحداثة روح الإنسان؟"بين الحقيقة...

أحزاب سينمائية

بقلم: رشيد صفر تبدأ الأحزاب السياسية في «كوكب القمر» مشاهد...

الملك تشارلز يحسم وضع هاري وميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا

أكد الملك البريطاني تشارلز الثالث أن الأمير هاري وزوجته...

اليونان تجدد دعمها لمقترح الحكم الذاتي وتعتبره الحل الأكثر واقعية لقضية الصحراء المغربية

جددت اليونان تأكيد دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، معتبرة...

إمزورن.. مصرع رجل أمن خلال مواجهة مسلحة مع مشتبه فيهم في الاتجار بالمخدرات

شهدت منطقة إفروى التابعة لجماعة إمزورن بإقليم الحسيمة، اليوم...

ترند الثمانينيات: حين يحن جيل الذكاء الاصطناعي إلى زمن الغيوان ورويشة..

عبد الغني سوري

هل سرقت الحداثة روح الإنسان؟”بين الحقيقة والخيال.. بين اليأس والآمال.. شددنا الرحال.. مسافات.. مسافات.. وبلا آجل! ربطنا الرحال.. وتركنا أحلامنا مرهونة”..

حين أطلق محمد رويشة هذه الكلمات من عمق وتره الشجي، لم يكن يغني مجرد قصيدة عابرة، بل كان يرسم نبوءة جيل سيمضي تائها في دروب لا قرار لها؛ جيل يشد الرحال اليوم في فضاءات رقمية متسارعة، فقط ليكتشف في منتصف الطريق أنه ترك أثمن ما يملك، براءته ودفء روحه، مرهونة في زوايا الماضي.

في مشهد بالغ الدلالة، تفيض شاشات الهواتف اليوم بما بات يعرف بـ “ترند الثمانينيات”. مفارقة لافتة أن تسخر أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأكثرها تعقيدا، لا لاستشراف المستقبل أو اقتحام مجاهله، بل لغرض مقلوب تماما: انتزاع وجوهنا من ملامحها المعاصرة الباردة، وإلباسها قسرا طابع أشرطة الكاسيت وحبيبات الصورة التناظرية العتيقة.هذا الانجراف الجمعي أبعد من أن يكون مجرد لهو عابر أو صيحة تصنعها الخوارزميات، بل هو صرخة تمرد مكتومة وإحساس حاد بالغربة داخل عالم شديد السرعة والسطحية. كيف لا يلتفت المرء إلى الوراء وهو يرى الفن يتحول إلى معلبات صوتية جاهزة تصنعها البرمجيات على عجل لتستهلك وتنسى في أيام معدودات؟ كيف لا يعيش وجداننا هذا الانفصال ونحن الذين تشربنا نغمات كانت تخرج من صميم المعاناة وصدق التجربة الإنسانية؛ من زئير ناس الغيوان ووجع جيل جلالة، ومن فلسفة المشاهب ونخوة مسناوة، إلى وتر رويشة الذي يخاطب الروح مباشرة، وحكمة زجل المغاري نظم قصائد الحسين التولالي الذي كان يزن الكلمة بميزان الذهب؟ في تلك الأيام، لم تكن الأغنية مجرد ضجيج للملء، بل كانت قضية وهوية وذاكرة حية، تماما كما كانت الصورة الملتقطة حدثا نادرا يحفظ للخلود، لا لجمع تفاعلات سريعة تزول بزوال التمرير على الشاشة.

المسألة في عمقها النفسي والاجتماعي تكشف أزمة إنسان اليوم مع ما يسمى بالحداثة السائلة، حيث تلاشت العلاقات الراسخة وحلت محلها روابط هشة ومؤقتة. والغريب في الأمر أن أغلب المتفاعلين مع هذا النبض هم شباب لم يدركوا تلك الحقبة ولم يعيشوا تفاصيلها أصلا، لكنهم يعيشون حالة من الحنين التعويضي؛ بحثا عن ملاذ من سطوة المراقبة الرقمية، وضغط التوقعات، والمقارنات اليومية المنهكة، إلى زمن متخيل كان فيه الإنسان يملك حق التمهل، والتلقائية، والعيش داخل اللحظة دون هوس مشاركتها وتجميلها.

المأزق الحقيقي ليس في دوران عجلة التطور، فالإنسانية حققت مكاسب لا يمكن إنكارها في الصحة والمعرفة ووسائل العيش، لكن المفارقة تكمن في الثمن الفادح الذي سددناه؛ ربحنا سرعة الاتصال وخسرنا حميمية اللقاء، ملكنا ملايين المقطوعات بكبسة زر لكننا خسرنا تلك الرعشة الروحية التي كانت تحرك جموعا بنقرة بندير أو حركة وتر.

وهكذا، ننتهي من حيث بدأنا، نعود إلى ذات المرآة الصادقة التي تركها رويشة أمام حيرتنا؛ لنكتشف أن فرارنا إلى صور الماضي ليس إلا دليلا على ضياع البوصلة، وأن ركضنا المحموم خلف الشاشات لم يزدنا إلا ابتعادا عن ذواتنا، حتى أصبحنا نعيش عجز الأغنية حرفا بحرف:”ركبنا سفينة مسكونة..وإلى المجهول مضينا..دون ماض أو ذاكرة..سفرنا ما له تذكرة..ويبقى السؤال..أين سنحط الرحال؟”

المادة السابقة
spot_imgspot_imgspot_img