spot_img

ذات صلة

كل المقالات

جدل واسع حول الإعلان عن حفل فني لكوميدية جزائرية بمسرح محمد الخامس بالرباط

أثار الإعلان عن تنظيم حفل فني لكوميدية جزائرية، مرتقب...

حين يصبح التبرع بالدم فعلَ وعيٍ جماعي.

في لحظة فارقة تعرف فيها المنظومة الصحية خصاصًا ملحوظًا...

سلسلة الواقع والمواقع ، الحلقة 27 : صولد آوتْ .. الكذبة الزرقاء !!!.

الواقع والمواقع … سلسلة مقالات ننشرها حصريا في جريدة “ديريكت بريس”، للتسلية والترفيه وأيضا للتوعية والتثقيف. نرصد من خلالها تفاصيل حدث خلق ضجة اعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لنتتبع تأثيره على ردود أفعال المواطنين وصناع القرار في العديد من دول العالم.

بقلم : رشيد صفـَـر

الحلقة 27 : صولد آوتْ .. الكذبة الزرقاء !!!.

عندما يخبرونك أن التذاكر نفدت وأنك تأخرت عن اللحظة الحاسمة … احذر يا “يونس” !! .. قد تكون ضحية لكذبة زرقاء !!!..

بداية الحكاية..

كانت الليلة قد تدلت فوق المدينة مثل وشاح أسود مرقّط بوميض شاشات الهواتف، حين جلس يونس، بعينين مثقلتين بالفراغ، يتصفح مدارات تطبيقات مواقع التواصل، لم يكن يبحث عن خبر، أو فيديو مباشر لـ “ستريمر” أو لقطات من مقابلة لفريق الرجاء العالمي أو وداد الأمة أو ريال مدريد أو برشلونة أو “باري سان جيرمان”، بل كان تائها، لم يعد يدري أين تقوده بوصلة اللوغاريتم، من فرط إمساكه بالهاتف في تلك الليلة والتنقل من صفحة لصفحة، كسفينة تتقاذفها تيارات غريبة في محيط بلا شواطئ، لا تعرف أين مرساها ولا بأي اتجاه ستدفعها الأمواج القادمة.
وفي منعطف تلك الرحلة العشوائية، صادفته عبارة تتوهج كما لو أنها قادمة من أفق آخر : “SOLD OUT”. صولد آوت !!! بمعنى نفدت التذاكر أو بلغة المغاربة : بااااااح !!!. مول المليح باع وراح !!!.

بدون القدرة على أدنى مقاومة، تسلل إلى نفسية يونس ذلك الشعور بالاستثناء والحرمان، ذاك الإحساس الدافئ، الذي يخبرك بأنك متأخر عن حفل فني أو عرض سينمائي، فتحس أن العالم سيحتفل وسيتمتع بالفعل دونك.

الحرمان يقود إلى الاندفاع !!!.

اندفع يونس، كمن يلحق بقطار فاتته صفارته، إلى منصات الحجز، يقلب الصفحات بجنون لا يليق إلا بالمؤمنين بالحظ السعيد.
لكن الشاشات أجابته ببرودة ثلجية :
“نفدت التذاكر”.
لكن بعد أيام في مشهد عابر للزمن، وجد نفسه لاحقا في قلب ذلك العرض عبر دعوة من ابن خالته ياسين، ليكتشف بدهشة كبيرة، أن القاعة التي كان قد تم الإعلان عن كونها “مكتظة”، تتنفس فراغا من كل الجهات، وأن الكراسي الشاغرة كانت تحكي حكاية أخرى .. غير تلك التي رسمتها الإعلانات.
سقطت الكذبة الزرقاء، وانكشف بياض الحقيقة.

هكذا فهم يونس أن “Sold Out” لم تكن وعدا بالفرح، بل صناعة للوهم، حرفة تتقنها اليوم شركات الترفيه، كما يتقن الساحر إخراج الأرانب من القبعات المهترئة.

لقد تغيّر الزمان في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، وانقلب معنى امتلاء القاعة عن آخرها، من حقيقة جماهيرية إلى أداة تسويق ماكرة، كما بينت مقالة مطولة نشرتها مجلة “هافارد بيزنس روفيوز”، المتخصصة في المجال وتصدر من الولايات المتحدة الأمريكية، وبالضبط من مقر كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد في مدينة بوسطن.
لقد صار مبدأ “الندرة المُصطنعة” حجر الزاوية في استراتيجيات التسويق الحديثة، تلعب على أوتار “الخوف من الفقدان”، الذي صار داء العصر الرقمي، وخلفه تركض شركات الترفيه وراء الربح في منصات التواصل الاجتماعي.

أعزائي القراء .. لم تعد القاعات بحاجة لأن تفيض بروّادها، يكفي أن يُقال إنها فاضت، حتى يرتفع الطلب وتزداد الرغبة في اقتناص مقعد و لو كان وهميا.

صناعة الوهم ..

في خضم هذا المسار، ابتدعت شركات التوزيع والتسويق حيلتها الماكرة، لتجر القاطرة نحو نقط البيع في الواقع وفي المواقع.
و من الأساليب المستخدمة أن يتم إطلاق جميع التذاكر دفعة واحدة، بل تُجزأ الكميات وتُحجب نسبة كبيرة منها عمدا لتُعلن بعدها، عبر مكبرات الصحافة و وسائل التواصل، أن العرض “نفد في أقل من ساعة”، وهو ما كشفت عنه تحقيقات استقصائية نشرتها CBC News سنة 2018، كاشفة خيوط اتفاقات خفية بين منصة عالمية للتذاكر وسماسرة السوق الثانوية، لخلق طلب مُصطنع، يبرِّرُ لاحقا الرفع الصاروخي للأسعار.
ولأن القاعدة تقول : “كلما قل العرض زاد الطلب” .. فهي إذن وسيلة فعالة لتنفيذ خطة التسويق عن طريق “التجويع السوقي” إذا صح القول .. أو ما يُعرف اقتصاديا باسم الندرة المصطنعة (Artificial Scarcity)، حيث يتم تقليص العرض عمدا لرفع قيمة المنتج أو الخدمة، ودفع المستهلكين إلى التسابق عليها وكأنها على وشك النفاد وعدم التوفر مستقبلا.

جولة العصور تتحول إلى التحقيق !!!

أضحت اللعبة التسويقية “صولد آوت” كذبة زرقاء، تتكرر بطريقة كاريكاتورية مع كل جولة غنائية أو فيلم سينمائي مرتقب، كما حصل مع المغنية العالمية “تايلور سويفت”، صاحبة الأغنية المشهورة shake it off أي “تجاهل” ولاتهتم بكلام الناس وتقول في مطلعها
“I stay out too late”
ومعنى ذلك أنها ستسهر خارج المنزل حتى وقت متأخر، وقد حققت هذه الأغنية نجاحا مبهرا في سنة 2014، ولأنها لعبت على الوتر الحساس للمراهقين والشباب فقد وصلت الأغنية إلى المرتبة الأولى في Billboard Hot 100، وهو تصنيف أسبوعي تصدره مجلة “بيلبورد” الأمريكية الشهيرة، ويعرض أكثر 100 أغنية شعبية في الولايات المتحدة كل أسبوع، .. كما حصدت الأغنية مشاهدات قياسية على يوتيوب أي أكثر من 3.2 مليار مشاهدة، وكانت لحظة فاصلة في مسيرة هذه المغنية، حيث انتقلت من الطابع الريفي (Country) إلى البوب الخالص.

في قصة هذه المغنية مع :الصولد آوت”، انهارت منصات بيع التذاكر وسط اتهامات بالتلاعب، وكانت The New York Times قد فجرت هذه القضية، التي وصفت حينها بفضيحة “تجزئة التذاكر والندرة المصطنعة”، ففي سنة 2022 تعرضت شركة خاصة بتوزيع التذاكر، لانتقادات لاذعة بعد الفوضى، التي شهدتها مبيعات تذاكر جولة المغنية “سويفت” بعرضها “The Eras Tour”، ومعناها جولة العصور..
واجهت المنصة التي كانت توفر التذاكر للبيع، اتهامات بأنها لم تطلق جميع التذاكر دفعة واحدة، بل مارست نوعا من إدارة العرض لخلق انطباع بالندرة المصطنعة، مما أدى إلى تحطم أنظمة البيع، و تناسلت حينها شكاوى واسعة النطاق من جمهور المغنية “تايلور سويفت”، وأدت هذه الأزمة إلى مباشرة تحقيقات رسمية من وزارة العدل الأمريكية، بسبب مخاوف من ممارسات احتكارية وانتهاك قوانين المنافسة العادلة، حتى أن تايلور سويفت نفسها أصدرت بيانا تنتقد فيه المنصة المعنية لفشلها في إدارة الطلبات على تذاكر الحفل بطريقة عادلة لجمهورها.

أفلام ولا في الأحلام !!!

تكررت الحيلة نفسها مع موعد طرح فيلم “Spider-Man: No Way Home”، حيث بيعت تذاكر أول العروض بأكثر من ألف دولار على مواقع إعادة البيع، رغم أن الفيلم كان على وشك التوفر في مئات قاعات السينما لاحقا.
لا تكتمل لعبة صولد آوت “الماكرة” دون فرقة المؤثرين المدفوعين بدفء الحسابات البنكية أو سحر الشهرة اللحظية، إذ يهرعون إلى نشر قصص شخصية مصطنعة عن “الجهد الجبار” الذي بذلوه للحصول على آخر تذكرة متبقية، كما حدث في الحملة الترويجية الضخمة لفيلم “Barbie” صيف 2023، حيث غزت الصور والشهادات منصات التواصل، فيما تبين بعد ذلك في مراجعة لاحقة أن نسبة ملء القاعات كانت أقل بكثير مما تم الترويج له.

تواطؤ وسائل الإعلام !!!

من الأمور التي تموه الجمهور بشكل غادر هو تواطؤ وسائل الإعلام، التي تنصب نفسها كشريك غير معلن عنه والأجدر بها أن تشكل الناقد الموضوعي، لكشف التلاعبات وتحقيق المصداقية، لكن أغلبها أو بالتحديد تلك التي تدخل لدهاليز لعبة التسويق المفبرك، تنقل البيانات الصحفية بحماس، وتنسج من العناوين حكايات عن “الإقبال الأسطوري” و”النجاح الساحق”، رغم أن الواقع، كما أبانت تجربة فيلم “Morbius” الذي حاولت Sony تلميعه إعلاميا سنة 2022، كان فشلا ذريعا على مستوى الحضور والمراجعات كما صدر بموقع متخصص في تقييم الأعمال السينمائية، الذي نشر تقريره التحليلي البارد، و أحس بعده المعلنون ببرودة تسري في عروقهم بعد كشف التلاعب.

هكذا، ومن خلال حياكة محكمة للخداع البصري والإعلامي، يصنع الواقع الافتراضي لحظة وهمية يتم بيعها للجمهور الذي تم إيهامه بنفاذ التذاكر، وهو جمهور بطبيعة الحال لا ولن يبحث بالضرورة عن الحقيقة، بقدر ما يبحث عن تذكرة .. خلف انتماء وحب عاطفي لنجوم وأساليب في الغناء والسينما والعروض الفنية التي تفتح أبوابها عبر شباك التذاكر في الواقع أمام القاعة وفي المواقع من خلال الروابط الرقمية.

التأثير النفسي على يونس !!!

ماذا كان سيحدث ليونس لو لم يتلق دعوة من صديقه، ليشاهد بأم عينه أن العرض الذي أراد أن يحجز تذكرته و وجد أنه صولد آوت .. و بعد الحضور للقاعة وجد كراسي كثيرة فارغة !؟؟؟.

تتجاوز ظاهرة “صولد آوت” بعدها التسويقي لتخلف آثارا اجتماعية ونفسية عميقة، إذ تعزز لدى الأفراد الإحساس بالخوف من الإقصاء الاجتماعي الذي يعرف بعبارة (FOMO)، هي اختصار لعبارة :
Fear of Missing Out

و يمكن ترجمتها بالعربية إلى عبارة : “الخوف من فوات الفرصة” أو : “الخوف من الإقصاء الاجتماعي”، وتتجلى الخطورة هنا .. في القلق الذي يشعر به الأفراد عندما يعتقدون أنهم قد يفوتون أحداثا أو تجارب اجتماعية مهمة، مما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات متسرعة مثل حضور الفعاليات أو شراء المنتجات لمجرد الشعور بالانتماء أو المواكبة.
وهو شعور يدفع الأفراد المستهدفين إلى التهافت لحضور العروض الفنية، مخافة أن يُحرموا من تجربة قد تعزز مكانتهم الرمزية وسط أفراد العائلة و زملاء الدراسة أو العمل .. والأنكى أن هذا السلوك يساهم في انتشار أنماط استهلاكية قائمة على القلق الاجتماعي والانتماء السطحي، مما يكرس تحولات سوسيولوجية مرتبطة بثقافة الصورة والظهور. وقد تناولت عدة دراسات أكاديمية هذه الظواهر، من أبرزها دراسة منشورة في مجلة بحوث المستهلك (Journal of Consumer Research) سنة 2019، و هي مجلة أمريكية تصدر منذ 1974، متخصصة في دراسة سلوك المستهلك، وتُعد من أبرز المراجع العلمية في مجالات التسويق وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي.

من المهرجان الحقيقي إلى المهرجان الافتراضي !!!

في هذا الزمن الذي نعيشه، ليست دائما عبارة “Sold Out”، دليلا على جودة العمل ولا على قيمة النجوم عند الجمهور، بل شهادة تسويق مشروطة، تُمنح بحسابات الربح والتأثير لا بحسب الأصوات ولا التصفيق ولا الإعجاب.

لقد انتقلنا، دون أن نشعر، من عصر المهرجانات الحقيقية إلى زمن المهرجانات الافتراضية، من جمهور يملأ المقاعد طوعا، إلى جمهور يملأ القصص المصورة إجبارا.
في زمن “الواقع والمواقع”، لم تعد الحقيقة كما هي، بل كما تُراد أن تكون، ولم يعد الصدق الفني رهانا، بل أصبح الوهم تجارة مربحة، تُباع فيها الأحلام على أرصفة الضوء المزيف، وتُشترى فيها القلوب بقسائم الكذبة الزرقاء .. ولم نقل الكذبة البيضاء، لأن اللون الأبيض رمز للصفاء والنقاء.

وكما نقول في هذه السلسلة … ليس دائما ما تنقله المواقع .. متطابق مع الواقع..

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا
Captcha verification failed!
فشل نقاط مستخدم captcha. الرجاء التواصل معنا!
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img