أظهرت دراسة علمية حديثة إمكانية تطوير تقنية جديدة للتصوير بالرنين المغناطيسي تساعد مستقبلاً على اكتشاف أورام الرئة والانتقالات السرطانية في مراحل مبكرة، بعدما تمكنت مادة تباين تجريبية تستهدف الكولاجين من إظهار عقيدات رئوية صغيرة جداً في نماذج حيوانية، بينها آفات يقل حجمها عن مليمتر واحد.
ونشرت نتائج الدراسة في دورية Science Advances في 9 سبتمبر 2026، ضمن بحث متعدد المؤسسات قادته فرق من جامعة ولاية جورجيا ومعهد وينشيب للسرطان التابع لجامعة إيموري، بالتعاون مع باحثين من جامعة ألاباما في برمنغهام ومؤسسات أخرى.
ورغم النتائج الواعدة، فإن التقنية لا تزال في مرحلة ما قبل التجارب السريرية، ولم تُختبر مادة التباين نفسها على البشر أو تحصل على موافقة للاستخدام الطبي، وبالتالي فهي لا تمثل حالياً فحصاً بديلاً عن وسائل تشخيص سرطان الرئة المعتمدة.
كيف تعمل مادة التباين الجديدة؟
تعتمد التقنية على مادة تباين بروتينية تجريبية تحمل اسم hProCA32.Collagen، صُممت لاستهداف الكولاجين من النوع الأول، وهو بروتين بنيوي يوجد في مختلف أنسجة الجسم.
ويخضع الكولاجين لتغيرات في الكمية والتنظيم داخل البيئة المحيطة بالأورام، خصوصاً مع ازدياد قدرة بعض الأورام على غزو الأنسجة والانتشار إلى أعضاء أخرى.
وعندما ترتبط المادة التجريبية بالكولاجين، تصبح المناطق التي يتراكم فيها أكثر وضوحاً في صور الرنين المغناطيسي، وهو ما يسمح للباحثين برؤية تفاصيل مرتبطة بموقع الورم وحجمه وبعض خصائص البيئة المحيطة به.
وقبل إجراء تجارب التصوير على الحيوانات، فحص الباحثون عينات نسيجية مأخوذة من 15 شخصاً مصاباً بالسرطان الغدي في الرئة، وتأكدوا من ارتفاع مستويات الكولاجين في محيط الأورام والأنسجة المجاورة لها.
لكن مادة التباين لم تُحقن لهؤلاء المرضى، إذ اقتصرت اختبارات التصوير على نماذج من الفئران المصابة بسرطان الرئة الأولي والمنتشر.
عقيدات صغيرة لم يرصدها التصوير المقطعي
في أحد النماذج الحيوانية، تمكن الرنين المغناطيسي باستخدام مادة التباين المستهدفة للكولاجين من اكتشاف 18 عقيدة رئوية، أكد الباحثون وجودها لاحقاً من خلال تحليل الأنسجة.
وشملت هذه العقيدات آفات يقل حجمها عن مليمتر واحد، في حين لم يتمكن التصوير المقطعي المحوسب من إظهار بعض أصغر العقيدات التي كشفتها التقنية التجريبية.
وفي نموذج آخر، تمكنت التقنية من إظهار الأورام الموجودة في الرئتين، إضافة إلى انتقالات سرطانية صغيرة في الغدتين الكظريتين والكليتين. ولم تظهر تلك الانتقالات في صور التصوير المقطعي المستخدمة في التجربة، قبل أن يؤكدها تحليل الأنسجة.
كما كانت قياسات الأورام المستخرجة من صور الرنين المغناطيسي متقاربة مع القياسات التي توصل إليها الباحثون بعد فحص الأنسجة، ما دعم دقة النتائج في النماذج الحيوانية التي خضعت للدراسة.
هل يمكن أن تكشف التقنية مدى عدوانية الورم؟
لا تقتصر أهمية المادة التجريبية على تحسين رؤية الورم، إذ كشفت الدراسة أيضاً عن اختلافات في كمية الكولاجين داخل الأورام وحولها.
وسجل الباحثون إشارات أقوى في المناطق التي ترتفع فيها مستويات الكولاجين عند حواف الأورام، وهي مناطق ترتبط بغزو الخلايا السرطانية للأنسجة المحيطة.
وتشير هذه النتائج إلى إمكانية استخدام التقنية مستقبلاً ليس فقط لتحديد مكان الورم وحجمه، وإنما أيضاً للحصول على مؤشرات مرتبطة بخصائصه الغازية واحتمال انتشاره. غير أن هذا الاستنتاج ما يزال في نطاق البحث قبل السريري ولا يعني أن التقنية قادرة حالياً على تحديد “شراسة” السرطان لدى المرضى.
وركزت الدراسة خصوصاً على نماذج من السرطان الغدي في الرئة المرتبط بتغيرات في جين LKB1/STK11، وهي تغييرات سبق أن ربطتها أبحاث بخصائص أكثر عدوانية لبعض هذه الأورام.
وقال الباحث المشارك في قيادة الدراسة، وي تشو، إن النتائج تبرز إمكانات تقنيات الرنين المغناطيسي المتقدمة في توفير معلومات مبكرة وأكثر دقة حول تطور السرطان.
وإذا أثبتت الدراسات المستقبلية سلامة التقنية وفعاليتها لدى البشر، فقد تمتد تطبيقاتها المحتملة إلى تشخيص السرطان وتحديد مرحلته، ومراقبة تطوره والاستجابة للعلاج، من دون استخدام الإشعاع المؤين المرتبط بالتصوير المقطعي.
خطوة أولى نحو التجارب البشرية
ورغم النتائج اللافتة، يؤكد الباحثون أن الطريق نحو الاستخدام السريري لا يزال طويلاً.
فمادة التباين نفسها لم تُختبر على مرضى، وما تزال هناك حاجة إلى دراسات إضافية لتقييم السلامة والفعالية، إضافة إلى الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة قبل الانتقال إلى التجارب السريرية.
وأوضح فريق البحث أنه أجرى بالفعل مناقشات مع إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) بشأن تصميم محتمل لتجربة سريرية والمسارات التنظيمية اللازمة للانتقال بالتقنية نحو الاختبارات البشرية.
كما كشفت الدراسة عن وجود تضارب مصالح معلن، إذ تمتلك الباحثة جيني يانغ أسهماً في شركة InLighta BioSciences التي تملك ترخيصاً لتسويق حقوق مرتبطة بمواد التباين البروتينية، كما أنها مخترعة في براءات ذات صلة بالتقنية. وأوضح الإفصاح المنشور أن بقية الباحثين لم يعلنوا عن تضارب مصالح مماثل.
وبذلك تمثل النتائج دليلاً قبل سريري واعداً على إمكانية استخدام الرنين المغناطيسي المستهدف جزيئياً لرؤية أورام رئوية صغيرة وانتقالات سرطانية مبكرة في نماذج حيوانية، لكنها لا تعني حتى الآن أن هذه التقنية أصبحت متاحة للمرضى أو أنها تستطيع أن تحل محل التصوير المقطعي والخزعات ووسائل تشخيص سرطان الرئة المعتمدة.
