لا تختزل رهانات الانتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب في اختيار أعضاء مجلس النواب وتجديد النخب المنتخبة، وإنما تتجاوز ذلك إلى اختبار أعمق يرتبط بمدى قدرة مختلف الفاعلين على تعزيز المشاركة السياسية وترسيخ ثقافة المواطنة، في سياق ما يزال فيه العزوف الانتخابي، ولا سيما في صفوف الشباب، يطرح أسئلة متكررة حول الثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
ويكتسب هذا الرهان أهمية خاصة مع اقتراب موعد الاقتراع المقرر يوم 23 شتنبر 2026، بعدما دخل المسار الانتخابي مرحلته الحاسمة، حيث حددت الفترة الممتدة من 10 إلى 22 شتنبر للحملة الانتخابية، قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع على المستوى الوطني. وتشارك في هذا الاستحقاق 27 هيئة سياسية، فيما يبلغ عدد المقاعد المتنافس عليها بمجلس النواب 395 مقعداً.
وفي هذا السياق، يتقاطع دور الأحزاب السياسية مع مسؤوليات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية، باعتبارها جميعاً فضاءات أساسية لبناء وعي سياسي مسؤول، قادر على تحويل الانتخابات من مجرد موعد دوري إلى ممارسة مواطنة واعية تتيح للمواطنين التأثير في القرار العمومي ومساءلة ممثليهم حول البرامج والالتزامات.
المجتمع المدني.. من التعبئة الانتخابية إلى بناء الوعي
وبحكم قربه من المواطنين وانشغالاتهم اليومية، يبرز المجتمع المدني كأحد الفاعلين القادرين على المساهمة في تعزيز الديمقراطية التشاركية، ليس فقط عبر الدعوة إلى المشاركة في الاقتراع، وإنما أيضاً من خلال نشر الثقافة المدنية، والتعريف بالمؤسسات واختصاصاتها، ومحاربة الصور النمطية التي قد تغذي الإحباط والعزوف عن المشاركة.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس جمعية “شباب نور المستقبل” بفاس، ياسين العوني، أن المجتمع المدني يمثل شريكاً استراتيجياً في ترسيخ المسار الديمقراطي، بالنظر إلى قربه من الانشغالات اليومية للمواطنين، وهو ما يؤهله للقيام بأدوار التأطير والتوعية والتحسيس بعيداً عن منطق الحملات الظرفية التي لا تظهر إلا مع اقتراب موعد الانتخابات.
وأوضح العوني، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن العمل الجمعوي مطالب بالانتقال من مجرد الدعوة إلى التصويت إلى الإسهام في نشر ثقافة المشاركة السياسية، وشرح أهمية الانخراط في الحياة العامة باعتباره مدخلاً للتأثير في القرار العمومي والمساهمة في تحقيق التنمية.
وأضاف أن حملات التحسيس ينبغي أن تركز على أولويات واضحة، من بينها تشجيع المواطنين على التسجيل في اللوائح الانتخابية، والتعريف باختصاصات المؤسسات المنتخبة، حتى يدرك الناخب أن صوته لا يقتصر على اختيار ممثل، وإنما يرتبط أيضاً بالسياسات العمومية والقرارات التي تنعكس على حياته اليومية.
الشباب والنساء في قلب معركة المشاركة
وشدد العوني على ضرورة منح الشباب والنساء مكانة خاصة ضمن حملات التوعية والتحسيس، بالتوازي مع التصدي للأخبار الزائفة التي أصبحت أحد التحديات المؤثرة في النقاش العمومي والثقة في العملية الانتخابية.
وتنسجم هذه الدعوة مع مقتضيات جديدة في المنظومة الانتخابية الخاصة باستحقاقات 2026، والتي تستهدف تعزيز تمثيلية الشباب والأشخاص في وضعية إعاقة ومغاربة العالم داخل مجلس النواب، إلى جانب تحفيز الأحزاب على تقديم مرشحين شباب لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة للاستفادة من آليات الدعم العمومي.
ولا يتعلق الأمر فقط بزيادة حضور الشباب والنساء في اللوائح الانتخابية، بل بخلق شروط تجعل هذه الفئات أكثر انخراطاً في الحياة السياسية، سواء عبر التصويت أو الترشح أو المشاركة في النقاشات العمومية وصناعة القرار.
العزوف الانتخابي.. أزمة ثقة أم أزمة تأطير؟
ورغم اختلاف نسب المشاركة من استحقاق إلى آخر، فإن استمرار ابتعاد جزء من الشباب عن العملية الانتخابية يظل من الإشكالات التي تحتاج إلى قراءة متعددة الأبعاد، بعيداً عن التفسيرات الاختزالية التي تختزل الظاهرة في ضعف الاهتمام بالسياسة.
ويرى العوني أن العزوف يرتبط بتداخل مجموعة من العوامل، من بينها ضعف الثقافة السياسية، وتراجع الثقة نتيجة عدم وفاء بعض المنتخبين والأحزاب بوعودهم الانتخابية، وهو ما يجعل استعادة الثقة مرتبطة، في جانب أساسي منها، بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تقديم برامج قابلة للقياس والتنفيذ وربط الوعود بالنتائج.
وفي المقابل، يؤكد أن المشاركة الإيجابية تبقى إحدى أهم الوسائل لاختيار الكفاءات القادرة على خدمة الصالح العام، داعياً الأحزاب إلى تجديد نخبها ومنح الكفاءات الشابة والنسائية مكانتها، مع تقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ.
خطاب جديد لمخاطبة جيل الشباب
ومن جانبه، اعتبر الفاعل في مجال الرقمنة ومسير مقاولة ناشئة بفاس، معاذ بوشغل، أن المجتمع المدني مطالب بمراجعة أدوات اشتغاله والقطع مع الأساليب التقليدية في التحسيس، واعتماد مقاربات أكثر قرباً من لغة الشباب واهتماماتهم.
وأوضح أن النقاشات العمومية والورشات التفاعلية والحملات الميدانية الموجهة يمكن أن تشكل آليات أكثر فعالية لإقناع الشباب بأهمية التصويت، مشيراً إلى أن الجيل الجديد يحتاج إلى خطاب يقوم على الحجة والإقناع أكثر من اعتماده على الشعارات العامة.
وأرجع بوشغل استمرار عزوف عدد من الشباب إلى اتساع الهوة بين الوعود الانتخابية والإنجازات الفعلية، معتبراً أن معالجة هذا الوضع تتطلب، من بين أمور أخرى، تعزيز التربية على المؤسسات والعلوم السياسية داخل المنظومة التعليمية، بما يساعد على تكوين جيل أكثر وعياً بدور المؤسسات الدستورية وأهمية المشاركة في تدبير الشأن العام.
الرقمنة.. فرصة للوصول إلى الناخبين الشباب
ويجمع المتدخلان على أن الرقمنة باتت إحدى أهم أدوات التواصل والتعبئة السياسية، إذا ما جرى توظيفها بشكل مسؤول، بالنظر إلى قدرتها على الوصول إلى شرائح واسعة من المواطنين، وخاصة الشباب والنساء.
ويمكن للمنصات الرقمية أن تتحول إلى فضاء للتعريف بأدوار مجلس النواب واختصاصات أعضائه، وتبسيط البرامج الانتخابية، وتقديم المعلومات المتعلقة بالمسار الانتخابي، فضلاً عن التصدي للأخبار الزائفة وفتح فضاءات للنقاش حول القضايا التي تهم المواطنين.
غير أن هذا الدور يظل مرتبطاً بجودة المحتوى ومصداقيته، إذ إن الرقمنة يمكن أن تكون وسيلة لتعزيز الثقة كما يمكن، في حال انتشار التضليل والمعلومات غير الدقيقة، أن تتحول إلى عامل إضافي لتوسيع فجوة عدم الثقة.
نزاهة الانتخابات.. شرط أساسي لاستعادة الثقة
ولا يمكن فصل المشاركة السياسية عن مسألة نزاهة العملية الانتخابية، وهو ما يفسر دعوة الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في رؤيتها الأخيرة، إلى جعل النزاهة مسؤولية مشتركة خلال مختلف مراحل الاستحقاق، والتأكيد على أن المشاركة الحرة والواعية والمسؤولة ينبغي أن تقوم على الاقتناع والبرامج والثقة، وليس على المقابل.
ومن هذه الزاوية، فإن استعادة ثقة الناخب لا تمر فقط عبر حملات تدعوه إلى التصويت، وإنما عبر توفير مناخ سياسي يشعر فيه المواطن بأن صوته مؤثر، وأن المنافسة الانتخابية تقوم على البرامج والكفاءة والمساءلة، وأن المؤسسات المنتخبة قادرة على تحويل الاختيارات الانتخابية إلى سياسات وقرارات ملموسة.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في رفع عدد المصوتين يوم 23 شتنبر، وإنما في بناء علاقة أكثر استدامة بين المواطن والمؤسسات السياسية. فالمشاركة السياسية لا ينبغي أن تبدأ مع انطلاق الحملة الانتخابية وتنتهي بإغلاق مكاتب التصويت، بل يفترض أن تتحول إلى ثقافة يومية تقوم على المتابعة والمساءلة والمبادرة والانخراط في الشأن العام.
وفي هذا المسار، يجد المجتمع المدني نفسه أمام مسؤولية تتجاوز التعبئة الظرفية نحو المساهمة في بناء مواطن واع بحقوقه وواجباته، فيما تقع على الأحزاب مسؤولية تجديد خطابها ونخبها وبرامجها، وعلى الإعلام مسؤولية تقديم معلومة موثوقة ومسؤولة، وعلى المؤسسات التربوية دور أساسي في ترسيخ التربية المدنية والسياسية.
وبذلك، فإن نجاح انتخابات 2026 لن يقاس فقط بنتائجها وعدد المقاعد التي ستفوز بها الأحزاب، وإنما أيضاً بقدرتها على تعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ المشاركة السياسية باعتبارها حقاً دستورياً ومسؤولية جماعية ورافعة أساسية للديمقراطية والتنمية.
