spot_img

ذات صلة

كل الاخبار

جهة الدار البيضاء-سطات تصدر قرضًا سنداتيًا بقيمة مليار درهم لتعزيز تمويل التنمية الجهوية

العلوي رجاء احتضنت جهة الدار البيضاء-سطات، يوم الخميس 16 أبريل...

إطلاق أغنية Por Ella ضمن ألبوم كأس العالم FIFA 2026 بتعاون Belinda وLos Ángeles Azules

أُطلقت رسميًا الأغنية الثانية من الألبوم الرسمي لبطولة كأس...

الحكامة الصحية الترابية بين التأصيل الإطاري والتنزيل المؤسساتي: قراءة تحليلية في تقاطع القانون-الإطار 06.22 والقانون 08.22 في ضوء متطلبات السيادة الصحية.

بقلم :حَبيل رشيد.

من القواعد المستقرة فقهاً وقضاءً أن “تدبير المرافق العمومية يقوم على مبدإي الاستمرارية والملاءمة، بما يحقق المصلحة العامة في أسمى تجلياتها”، وهي قاعدة تتجاوز بعدها النظري لتغدو معياراً حاكماً لكل إصلاح يروم إعادة بناء القطاعات الحيوية… ومن ثم، فإن أي تحول في بنية المنظومة الصحية لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن هذا الأصل المؤسس، حيث إن الصحة، باعتبارها حقاً دستورياً ومرفقاً عمومياً ذا طبيعة استراتيجية، تستدعي هندسة قانونية دقيقة تؤلف بين النجاعة التدبيرية والضمانات الاجتماعية، وتؤسس لنموذج حكامة قادر على الاستجابة للتحولات الديمغرافية والوبائية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع.

لا شك أن صدور القانون-الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، مقروناً بالقانون رقم 08.22 المتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية، يشكل منعطفاً حاسماً في مسار إعادة بناء الحقل الصحي بالمغرب، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على إصلاحات جزئية أو تدخلات ظرفية، وإنما أضحى يتعلق بإعادة صياغة شاملة لفلسفة التدبير الصحي، بما ينقل هذا القطاع من منطق إداري تقليدي إلى منطق استراتيجي قائم على الحكامة الترابية والسيادة الصحية… وبالتالي، فإن القراءة المتأنية لهذين النصين تكشف عن تلازم عضوي بين المرجعية الإطارية والتنزيل المؤسساتي، بما يجعل منهما معاً نواة “دستور صحي جديد” يؤطر مختلف مكونات المنظومة.

ومن الثابت أن القانون-الإطار 06.22 قد جاء بوصفه وثيقة مرجعية ذات بعد توجيهي واستراتيجي، حيث حدد المبادئ العامة والأهداف الكبرى التي ينبغي أن تؤطر السياسة الصحية الوطنية، وفي مقدمتها تكريس الحق في الصحة باعتباره مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ مبادئ المساواة والاستمرارية والعدالة المجالية… كما أنه وضع الأسس المفاهيمية لما يمكن تسميته بـ”السيادة الصحية”، باعتبارها قدرة الدولة على ضمان أمنها الصحي عبر التحكم في مواردها البشرية، وتأمين مخزونها الدوائي، وتطوير بنياتها التحتية، إضافة إلى امتلاكها لمنظومة معلوماتية قادرة على إنتاج المعرفة الصحية وتوجيه القرار العمومي.

وفي هذا السياق، يتضح أن الحكامة، كما صاغها القانون-الإطار، لم تعد مجرد أداة تقنية للتسيير، وإنما تحولت إلى ركيزة بنيوية لإعادة توزيع الأدوار بين مختلف الفاعلين، حيث تم إحداث هيئات جديدة ذات طابع تقنيني وتنظيمي، من قبيل الهيئة العليا للصحة، التي تضطلع بوظائف التأطير والتقييم وإبداء الرأي، وهو ما يعكس توجهاً نحو فصل نسبي بين وظيفة الضبط ووظيفة التنفيذ… إضافة إلى ذلك، تم التنصيص على إحداث مؤسسات متخصصة في مجالات استراتيجية كالأدوية والدم، بما يعزز من استقلالية القرار الصحي ويقلص من التبعية الخارجية.

غير أن الأهمية القصوى لهذا القانون تتجلى في إقراره لمبدأ “التوطين الترابي للسياسة الصحية”، حيث جعل من الجهة فضاءً مركزياً لتنزيل الاختيارات الوطنية، وهو ما ينسجم مع ورش الجهوية المتقدمة، ويؤسس لتحول عميق في نمط تدبير العرض الصحي… إذ إن الانتقال من مركزية القرار إلى لامركزية التنفيذ يقتضي، بالضرورة، إحداث بنيات مؤسساتية قادرة على تحمل هذه المسؤولية، وهو ما تولى القانون رقم 08.22 تجسيده على أرض الواقع.

وبالتالي، فإن هذا القانون الأخير يشكل الآلية التطبيقية التي حولت التصور الإطاري إلى واقع مؤسساتي ملموس، حيث أقر إحداث المجموعات الصحية الترابية كمؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وتتولى مهمة تنفيذ السياسة الصحية على المستوى الجهوي… ومن ثم، فإن هذه المجموعات تمثل حجر الزاوية في معمار الحكامة الجديدة، باعتبارها الفاعل الرئيسي في تدبير العرض الصحي، وتنسيق مختلف مكوناته، وضمان استمرارية الخدمات وجودتها.

ولا ريب أن تحليل البنية القانونية لهذا النص يكشف عن تصور متكامل للحكامة، يتوزع على عدة مستويات مترابطة، حيث يحدد الفصل الأول الهوية المؤسساتية لهذه المجموعات ويؤطر مهامها، مؤكداً على دورها في تنفيذ السياسة الصحية وضمان استمرارية العلاجات… بينما يتناول الفصل الثاني آليات التسيير، من خلال توزيع الاختصاصات بين مجلس الإدارة، بوصفه جهازاً تقريرياً، والمدير العام، باعتباره جهازاً تنفيذياً، وهو ما يعكس اعتماد نموذج حكامة يقوم على التوازن بين السلطة والنجاعة.

وعلاوة على ذلك، فإن الحكامة المالية، كما نظمها القانون، تقوم على مبدإ الاستقلال المقيد، حيث تتمتع المجموعات بموارد خاصة وتدبر ميزانيتها بشكل مستقل، مع خضوعها في الوقت ذاته لرقابة الدولة، وهو ما يحقق معادلة دقيقة بين الحرية التدبيرية والمساءلة… كما أن تدبير الموارد البشرية يشكل بدوره أحد أعمدة الحكامة، إذ نص القانون على ضمان الحقوق المكتسبة للموظفين المنقولين، بما يعزز الاستقرار الوظيفي ويحد من مقاومة التغيير.

ومن زاوية تحليلية أعمق، يتبين أن الحكامة التي يؤسس لها القانون 08.22 تتسم بطابع تشاركي واضح، حيث يضم مجلس الإدارة تمثيلية متعددة تشمل السلطات العمومية والمنتخبين والخبراء والأكاديميين، وهو ما يتيح تلاقحاً بين الرؤية السياسية والمعرفة التقنية… وبالتالي، فإن القرار الصحي لم يعد حكراً على الإدارة المركزية، وإنما أصبح نتاجاً لتفاعل عدة فاعلين، الأمر الذي يعزز من شرعيته وفعاليته.

كما أن اعتماد مقاربة التدبير بالنتائج يشكل تحولاً نوعياً في فلسفة التسيير، حيث لم يعد تقييم الأداء مقتصراً على احترام المساطر، وإنما أصبح مرتبطاً بمؤشرات دقيقة تعكس جودة الخدمات ونجاعة التدخلات… ومن ثم، فإن إدراج آليات الافتحاص والتقييم الدوري يندرج ضمن منطق الحكامة الحديثة التي تقوم على المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي السياق ذاته، يبرز مبدأ “الوحدة التدبيرية” كأحد أبرز مرتكزات هذا الإصلاح، حيث تم تجميع مختلف المؤسسات الصحية داخل نطاق المجموعة الترابية، بما يضع حداً لحالة التشتت التي كانت تطبع المنظومة… إذ إن توحيد القيادة يتيح تنسيقاً أفضل للموارد، ويضمن انسجاماً في السياسات، ويحد من الازدواجية في الاختصاصات، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

ومن المؤكد أن هذا التحول لا يمكن فصله عن الرهانات الاستراتيجية الكبرى التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، وعلى رأسها تعميم التغطية الصحية، الذي يقتضي توفر بنية مؤسساتية قادرة على استيعاب الطلب المتزايد على الخدمات… إضافة إلى ذلك، فإن الرقمنة، باعتبارها رافعة أساسية للحكامة، تحظى بمكانة مركزية في هذا الإصلاح، من خلال إحداث نظام معلوماتي مندمج يتيح تتبع المسار العلاجي للمرضى، ويوفر معطيات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار.

وفي هذا الإطار، يكتسي “الملف الطبي المشترك” أهمية خاصة، باعتباره أداة لتجميع البيانات الصحية وتبادلها بين مختلف الفاعلين، وهو ما يسهم في تحسين جودة التشخيص والعلاج… كما أنه يعزز من قدرة الدولة على رصد الظواهر الوبائية والتدخل بشكل استباقي، مما يضفي على الحكامة الصحية بعداً أمنياً واضحاً.

ومن ثم، فإن الربط بين القانون-الإطار 06.22 والقانون 08.22 يكشف عن بناء متكامل يقوم على مستويين متلازمين: مستوى تأصيلي يحدد الرؤية والمبادئ، ومستوى تطبيقي يجسد هذه الرؤية في مؤسسات وآليات… وبالتالي، فإن الحديث عن الحكامة الصحية الترابية لا يكتمل دون استحضار هذا التكامل، الذي يجعل من الإصلاح عملية شمولية تتجاوز حدود النصوص لتلامس واقع الممارسة.

لذلك، يمكن القول إن المغرب يشهد انتقالاً نوعياً من “الصحة كخدمة إدارية” إلى “الصحة كرهان سيادي”، حيث أصبحت المنظومة الصحية جزءاً من الأمن الاستراتيجي للدولة، بما يشمله ذلك من أبعاد مؤسساتية ومجالية ورقمية… وهو تحول يفرض إعادة تعريف أدوار الفاعلين، وتطوير آليات التدبير، وتعزيز ثقافة المسؤولية والمحاسبة.

وخلاصة القول، إن الحكامة الصحية الترابية، كما يؤسس لها الإطار القانوني الجديد، تمثل رهاناً مركزياً لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية، حيث إن نجاح هذا النموذج يظل رهيناً بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين الاستقلالية والرقابة، وبين الفعالية والعدالة، وبين المركز والجهة… وهي معادلة دقيقة، دون ريب، لكنها تظل ممكنة التحقيق في ظل إرادة إصلاحية واضحة، ونصوص قانونية محكمة، ورؤية استراتيجية تستشرف المستقبل بوعي ومسؤولية.

spot_imgspot_imgspot_img