في ذاكرة الأغنية المغربية، هناك أصوات لا تحتاج إلى حضور إعلامي دائم حتى تظل حاضرة في وجدان الجمهور. ومن بين هذه الأصوات يبرز الشاب رشيد، الفنان المنحدر من مدينة تاوريرت، الذي ارتبط اسمه بالراي العاطفي وبصوت شجي حمل كثيراً من الأحاسيس والقصص الإنسانية، قبل أن يختار الابتعاد عن الأضواء والعودة إليها من حين لآخر.
ولد رشيد الطاهري في 17 يناير 1972 بقرية لرباع بإقليم تاوريرت، قبل أن تنتقل أسرته إلى مدينة تاوريرت إثر حادثة سير تعرض لها والده، الذي كان فلاحاً ومحباً للموسيقى. وفي هذا المحيط العائلي بدأ ارتباط رشيد بالفن، قبل أن تقلب واقعة صحية مفاجئة مسار طفولته وحياته بالكامل.
فخلال دراسته بالمستوى الرابع ابتدائي بمدرسة الرازي، فقد رشيد بصره بشكل مفاجئ، وهو ما دفعه إلى مغادرة المدرسة والتوجه نحو الموسيقى، التي تحولت إلى وسيلته للتعبير ومواجهة واقع جديد لم يكن مستعداً له. وتأثر في بداياته بأسماء بارزة في موسيقى الراي، قبل أن يؤسس، وهو في السادسة عشرة من عمره، فرقته الموسيقية الأولى، فاتحاً بذلك الطريق أمام مسيرة فنية طويلة.
وفي أواخر التسعينيات، فرض الشاب رشيد اسمه بقوة في الساحة الفنية المغربية، خصوصاً ضمن الأغنية العاطفية، حيث تميز بصوت خاص وأداء قريب من الجمهور، وحققت أعماله انتشاراً واسعاً في فترة كانت فيها أشرطة الكاسيت الوسيلة الرئيسية لاكتشاف الأغاني وتداولها.
ومن بين الأعمال التي ارتبط بها اسمه أغنية “حكم القدر”، إلى جانب “إلى قالولك (راني نبغيها)” و**”مالك آ الزين”** التي جمعته بالفنانة الشابة ماريا، فضلاً عن مجموعة من الأغاني التي بقيت حاضرة في ذاكرة عشاق الراي، من بينها “ما بقى عندي أمال” و”كانت مون أمور” و”يا قمري”.
كما واصل الشاب رشيد إنتاج أعمال جديدة على امتداد السنوات، وظهر اسمه في إصدارات وألبومات مختلفة، في محاولة للحفاظ على حضوره داخل مشهد فني عرف تحولات كبيرة، خصوصاً مع الانتقال من عصر الكاسيت إلى المنصات الرقمية.
لكن الحضور القوي الذي حققه الفنان لم يستمر بالوتيرة نفسها، إذ اختار الشاب رشيد الابتعاد عن الأضواء لفترات طويلة، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات جمهوره حول أسباب غيابه وما إذا كان قد اعتزل الفن.
وبحسب تصريحات منسوبة إليه في مواد إعلامية وفنية سابقة، فقد ارتبط جزء من هذا الابتعاد بما عاشه الفنانون خلال مرحلة انتشار قرصنة الأعمال الفنية، وما ترتب عنها من خسائر مادية وضياع حقوق عدد من الفنانين، إضافة إلى اختياره منح مساحة أكبر لحياته العائلية والابتعاد عن صخب الشهرة.
غير أن الغياب لم يكن اعتزالاً نهائياً، إذ ظل الفنان يعود إلى الساحة بين فترة وأخرى، سواء من خلال أعمال جديدة أو إصدارات ذات طابع وطني، من بينها “الصحرا ديالنا”، كما حاول مواكبة التحول الرقمي عبر نشر أعماله على منصات التواصل والموسيقى.
ومع انتشار المنصات الرقمية، أصبح صوت الشاب رشيد متاحاً لجيل جديد لم يعش مرحلة أشرطة الكاسيت التي صنعت شهرته الأولى، وهو ما منح بعض أعماله القديمة فرصة جديدة للوصول إلى الجمهور، بالتوازي مع إصدارات أحدث من قبيل “الغربة جلاتو” و**”ما بقا الحب”** وفق المعطيات المتداولة حول أعماله الأخيرة.
قصة الشاب رشيد ليست فقط قصة فنان نجح في الوصول إلى الجمهور، بل هي أيضاً حكاية إنسان واجه فقدان البصر في سن مبكرة، وحوّل الموسيقى إلى مساحة للحياة والاستمرار. وبين الشهرة والغياب، وبين الكاسيت والمنصات الرقمية، ظل صوته مرتبطاً بمرحلة مهمة من تاريخ الراي المغربي، محتفظاً بمكانه لدى جمهور لا يزال يستعيد أغانيه وذكرياته الفنية.
وبعد عقود من بداية المسيرة، يبدو أن الشاب رشيد لم يغادر الموسيقى بقدر ما أعاد تعريف علاقته بها؛ فالصوت الذي خرج من تاوريرت واستطاع أن يصل إلى جمهور واسع، ما يزال يجد طريقه إلى المستمعين، مؤكداً أن بعض الأصوات لا تختفي، حتى عندما يغيب أصحابها عن الأضواء.
