تتجه الأنظار، يوم 23 شتنبر 2026، إلى انتخابات مجلس النواب، التي يجري خلالها انتخاب 395 عضواً بالاقتراع العام المباشر عن طريق الاقتراع باللائحة، موزعين بين 305 مقاعد على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية و90 مقعداً على مستوى الدوائر الانتخابية الجهوية.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، يعود إلى الواجهة النقاش حول الطريقة التي تتحول بها أصوات الناخبين إلى مقاعد برلمانية، خصوصاً ما يرتبط بـالقاسم الانتخابي، الذي يشكل منذ تعديله قبل انتخابات 2021 إحدى أبرز نقاط الجدل في النظام الانتخابي المغربي.
ويقوم نظام الاقتراع على التمثيل النسبي وفق قاعدة أكبر بقية. ويتم احتساب القاسم الانتخابي، في الدائرة الانتخابية المعنية، بقسمة عدد الناخبين المقيدين في اللوائح الانتخابية على عدد المقاعد المخصصة للدائرة.
وبعد تحديد القاسم الانتخابي، تحصل كل لائحة على عدد من المقاعد يساوي عدد المرات التي يتضمن فيها مجموع الأصوات التي حصلت عليها هذا القاسم، فيما تحتفظ كل لائحة بما تبقى من أصوات بعد احتساب المقاعد التي حصلت عليها في المرحلة الأولى.
أما المقاعد التي تظل شاغرة بعد هذه العملية، فتوزع وفق قاعدة أكبر البقايا، إذ تؤول تباعاً إلى اللوائح التي تتوفر على أكبر عدد من الأصوات المتبقية.
وبذلك، لا يتحدد عدد المقاعد التي تحصل عليها كل لائحة بمجرد ترتيبها من حيث مجموع الأصوات، وإنما أيضاً بناء على حجم الباقي الذي تحتفظ به بعد المرحلة الأولى.
لماذا أُثير الجدل حول القاسم الانتخابي؟
يرتبط جانب أساسي من الجدل بكون القاسم الانتخابي في النظام المغربي يُحتسب على أساس عدد الناخبين المقيدين وليس على أساس عدد الأصوات الصحيحة المعبر عنها. وقد أقر المجلس الدستوري، في قراره المتعلق بتعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب سنة 2021، بأن اختيار هذا الأساس يدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرع، معتبراً أن اعتماد عدد المقيدين يندرج ضمن التوجه الرامي إلى تحقيق تمثيلية موسعة للناخبين وفتح المجال أمام مختلف القوى السياسية للمشاركة في المؤسسة التشريعية.
وتضم اللوائح الانتخابية العامة، المحصورة نهائياً في 10 يوليوز 2026، 15 مليوناً و801 ألفاً و162 ناخباً، ما يجعل طريقة احتساب القاسم الانتخابي ذات تأثير مباشر على كيفية توزيع المقاعد بين اللوائح المتنافسة.
جخا: القاسم الانتخابي يشجع التعددية والمشاركة السياسية
قال رضوان جخا، محلل سياسي ومهتم بالسياسات العمومية، إن القاسم الانتخابي يمثل «آلية تقنية تم اعتمادها في المحطات الانتخابية التشريعية، وله إيجابيات وتحديات»، مشيراً إلى أن إحدى نقاط قوته تكمن في كونه «إجراءً يشجع ويحفز التعددية السياسية بين مختلف الأقطاب والتيارات السياسية».
وأضاف جخا أن القاسم الانتخابي يساهم في توسيع المشاركة السياسية، سواء من خلال الحضور المتعدد للوائح الانتخابية في الدوائر، وما يعنيه ذلك من مشاركة أوسع للناخبين، أو عبر فتح المجال أمام الأحزاب السياسية الصغيرة والمتوسطة للتنافس على مقاعد البرلمان.
وأوضح المحلل السياسي أن هذه الآلية ترتبط بنظام اللائحة والاقتراع النسبي المبني على أكبر بقية، وهو ما يفسر، بحسبه، بروز حضور الأحزاب الصغيرة والمتوسطة بشكل أكبر، خصوصاً في الانتخابات المحلية، معتبراً أن هذا الجانب يمثل إحدى نقاط القوة المرتبطة بالقاسم الانتخابي.
وفي المقابل، أشار جخا إلى أن من بين تحديات هذه التقنية ما يمكن أن ينتج عنها من ضعف في الانسجام السياسي، بسبب تعدد التيارات السياسية التي تحصل على مقاعد، بما قد يؤدي إلى هشاشة التحالفات القادرة على صياغة برامج تنموية مشتركة.
وأبرز المتحدث أن هذا التحدي ظهر بشكل أوضح في تحالفات مجالس الجماعات الترابية المحلية والإقليمية، حيث يمكن لحزب حاصل على مقعد أو مقعدين أن يؤثر بشكل بارز في تشكيل التحالفات.
وخلص جخا إلى أن القاسم الانتخابي، من وجهة نظره، «إجراء تقني مشجع ومحفز للمشاركة السياسية، وتطغى إيجابياته على سلبياته»، مذكراً بأن الجدل الذي رافق تعديل المادة 84 من القانون التنظيمي لمجلس النواب لم يمنع تشكيل أغلبية حكومية كانت مكونة من ثلاثة أحزاب فقط.
بومزيل: التمثيلية تأتي أحياناً على حساب وضوح الفائز
في المقابل، قالت إيجة بومزيل، فاعلة سياسية وباحثة في السياسات العمومية، إن «الطريقة الحالية في المغرب تجمع بين إيجابيات مهمة وسلبيات بنيوية»، موضحة أن أبرز ما يميزها هو «تمثيل الأحزاب بحسب انتشارها الانتخابي أكثر من إعطاء مكافأة كبيرة للحزب الأول»، غير أن ذلك يأتي، وفقها، «على حساب وضوح الإرادة الانتخابية وسهولة تكوين أغلبية حكومية».
وأوضحت بومزيل أن النقاش حول النظام الانتخابي المغربي يستدعي التمييز بين مرحلتين: الأولى تتعلق باحتساب الأصوات داخل الدائرة الانتخابية، والثانية بتحويل تلك الأصوات إلى مقاعد.
وأبرزت أن من إيجابيات النظام الحالي تعزيز التعددية السياسية، إذ لا يجعل الحزب المتصدر يستحوذ على عدد كبير من المقاعد يفوق كثيراً نسبة الأصوات التي حصل عليها، كما يمنح الأحزاب المتوسطة والصغيرة فرصة للوصول إلى البرلمان إذا امتلكت رصيداً انتخابياً كافياً.
وأضافت أن النظام يساهم، نسبياً، في الحد من الأصوات التي قد تظل دون تمثيل، بما يجعل نسبة الأصوات أقرب إلى نسبة المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب.
هل يؤثر غير المصوت في قيمة صوت المصوت؟
في المقابل، اعتبرت بومزيل أن اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين يمثل «أكبر نقطة خلاف في النظام الحالي»، لأن المواطن الذي لم يشارك في التصويت يدخل، بطريقة غير مباشرة، في حساب توزيع المقاعد.
وتساءلت: «لماذا ينبغي لصوت شخص لم يشارك في الانتخابات أن يؤثر في قيمة صوت شخص شارك؟»، معتبرة أن الأمر أصبح أقل ارتباطاً بفكرة الحزب الفائز، إذ قد تتقارب نتائج عدد من الأحزاب، لتبدأ بعد ذلك مفاوضات تشكيل التحالفات، بما يجعل الفوز الانتخابي لا يعني بالضرورة القدرة على الحكم.
وخلصت الباحثة في السياسات العمومية إلى أن النظام الحالي يعطي أولوية للتمثيلية والتعددية على حساب وضوح الفائز والاستقرار السياسي، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى تجزئة حزبية، وصعوبة في تشكيل الأغلبية، والحاجة إلى تحالفات واسعة وتفاوض طويل بعد الانتخابات.
كما رأت أن تعدد مكونات الأغلبية قد يجعل تحديد المسؤول السياسي المباشر عن نجاح أو فشل الحكومة أكثر تعقيداً، لتطرح في النهاية سؤالاً يتجاوز التقنية الانتخابية نفسها: هل ينبغي أن تكون الانتخابات أولاً وسيلة لتمثيل مختلف التيارات السياسية، أم أداة لإنتاج أغلبية حكومية واضحة وقابلة للمحاسبة؟
بين التمثيلية والاستقرار.. معركة لا تحسمها الأرقام وحدها
يكشف الجدل حول القاسم الانتخابي أن المسألة لا تتعلق فقط بمعادلة تقنية لتحويل الأصوات إلى مقاعد، بل باختيار سياسي أوسع يتعلق بطبيعة التمثيل الديمقراطي المراد إنتاجه.
فكلما اتجه النظام نحو توسيع التمثيلية، ارتفعت فرص الأحزاب الصغيرة والمتوسطة في دخول البرلمان، وهو ما يعزز التعددية ويحد من احتكار المشهد من طرف الأحزاب الكبرى. وفي المقابل، قد يؤدي تعدد القوى الممثلة إلى تعقيد بناء أغلبيات متماسكة، خصوصاً عندما تكون الفوارق بين الأحزاب المتنافسة محدودة.
ومع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026، سيكون القاسم الانتخابي من بين العوامل التقنية التي تستحق المتابعة عند إعلان النتائج، ليس فقط لمعرفة من تصدر كل دائرة، وإنما أيضاً لفهم الكيفية التي ستتحول بها الخريطة الانتخابية إلى خريطة برلمانية، ثم إلى أغلبية حكومية وتحالفات سياسية.
وفي النهاية، تبقى المعادلة الأهم مرتبطة بإرادة الناخبين أنفسهم، وبنسبة المشاركة، وبكيفية توزيع الأصوات بين مختلف اللوائح؛ وهي عناصر ستحدد، إلى جانب القواعد القانونية المعمول بها، شكل مجلس النواب المقبل وطبيعة التحالفات التي ستنبني عليه.
