لم يعد المغرب بالنسبة لآلاف المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء مجرد محطة عبور في اتجاه أوروبا، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى بلد للاستقرار والعمل وبناء الأسر، خاصة بعد تشديد المراقبة على مسالك الهجرة السرية وتراجع فرص الوصول إلى الضفة الأوروبية.
هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي أصبح واضحاً في عدد من المدن المغربية، خصوصاً بالمناطق الفلاحية الكبرى، حيث وجد العديد من المهاجرين فرصاً للعمل داخل الضيعات الزراعية وأوراش البناء والأسواق التجارية، ما ساهم في اندماجهم التدريجي داخل المجتمع المغربي.
وفي مدينة أكادير، يؤكد عدد من المهاجرين الأفارقة أنهم اختاروا الاستقرار بالمغرب بعد سنوات من التفكير في الهجرة إلى أوروبا. ويقول أبو بكر، وهو شاب سنغالي يقيم بالمغرب منذ سنة 2017، إنه استقر رفقة زوجته وطفلته ويشتغل في تجارة الإكسسوارات والملابس داخل “سوق الأحد”، موضحاً أنه لم يعد يفكر في “الفردوس الأوروبي” بعدما وجد ظروفاً مناسبة للعيش والعمل بالمغرب.
وفي السياق ذاته، أوضح مهاجرون آخرون من السنغال والكاميرون أنهم يشتغلون في التجارة والخدمات والفلاحة، وأن المغرب أصبح بالنسبة لهم فضاءً للاستقرار وليس فقط نقطة عبور نحو أوروبا، رغم استمرار حلم الهجرة لدى بعضهم في حال توفرت الفرصة.
ويُعتبر إقليم شتوكة آيت باها، القريب من مدينة أكادير، من أبرز المناطق التي تعرف حضوراً قوياً للمهاجرين الأفارقة، خاصة داخل الضيعات الفلاحية التي تعاني من خصاص كبير في اليد العاملة. وأكد باحثون متخصصون في قضايا الهجرة أن آلاف المهاجرين استقروا بهذه المنطقة منذ سنة 2016، حيث انتقلوا تدريجياً من السكن الجماعي المؤقت إلى تكوين أسر والاستقرار بشكل دائم.
كما ساهم تعلم اللغة الدارجة والاندماج الثقافي والاجتماعي في تحسين علاقة المهاجرين بالساكنة المحلية، بعدما كانت تعرف بعض التوترات في البداية، فيما أصبح العديد منهم يشاركون في الأنشطة الرياضية والاجتماعية والثقافية داخل المناطق التي يقيمون بها.
ويرى مختصون أن المغرب نجح نسبياً في تدبير ملف الهجرة عبر مقاربة إنسانية وتنموية، خاصة بعد إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء سنة 2014، والتي مكنت من تسوية وضعية عشرات الآلاف من المهاجرين وتمكينهم من الاستفادة من التعليم والصحة والتكوين وسوق الشغل.
كما ساهمت هذه السياسة في تخفيف الضغط المرتبط بالهجرة السرية نحو أوروبا، في وقت تواصل فيه السلطات المغربية جهودها لمحاربة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، عبر تفكيك شبكات التهريب وإنقاذ آلاف المهاجرين في عرض البحر.
وبات المغرب اليوم يمثل نموذجاً إفريقياً في تدبير قضايا الهجرة، من خلال الجمع بين المقاربة الأمنية والبعد الإنساني، مع تعزيز فرص الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
