كشفت أحدث استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة سنة 2027 عن استمرار زعيمة حزب التجمع الوطني، مارين لوبن، في صدارة نوايا التصويت، رغم إدانتها القضائية الأخيرة في قضية اختلاس أموال عامة، فيما يواصل زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلونشون تعزيز موقعه داخل معسكر اليسار، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء الفرنسي السابق إدوار فيليب تراجعاً ملحوظاً في شعبيته.
ووفقاً لاستطلاع أنجزته مؤسسة Elabe لفائدة قناتي BFMTV وصحيفة La Tribune Dimanche، فإن مارين لوبن ستحصل على ما بين 34 و35.5 في المائة من الأصوات في الدور الأول، بحسب السيناريوهات المختلفة، وهو ما يمنحها تقدماً مريحاً على أقرب منافسيها.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع أن لوبن ستفوز في مختلف السيناريوهات المحتملة للدور الثاني، سواء أمام جان لوك ميلونشون، الذي تمنحه الاستطلاعات 32.5 في المائة مقابل 67.5 في المائة للوبن، أو أمام إدوار فيليب، الذي يخسر بفارق ضئيل نسبياً، إذ تحصل لوبن على 52 في المائة مقابل 48 في المائة لمنافسها.
ويكتسي هذا التقدم أهمية خاصة، لأنه يأتي بعد أيام قليلة من تأييد محكمة الاستئناف الفرنسية إدانة مارين لوبن في قضية اختلاس أموال البرلمان الأوروبي، مع تخفيف عقوبة عدم الأهلية للترشح إلى 45 شهراً، منها 15 شهراً نافذة، وهو ما يسمح لها، في حال لجوئها إلى محكمة النقض، بمواصلة حملتها الانتخابية وخوض الاستحقاق الرئاسي، وهو ما أعلنت عنه مباشرة بعد صدور الحكم.
وفي المقابل، سجل الاستطلاع تقدماً ملحوظاً لزعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون، الذي تتراوح نوايا التصويت لصالحه بين 14.5 و16 في المائة، بحسب طبيعة المنافسة داخل معسكري اليسار والوسط، حيث يقترب في بعض السيناريوهات من إدوار فيليب، بل يتجاوزه في حال قرر غابرييل أتال الترشح باسم التيار الوسطي، وهو ما يعزز فرص ميلونشون في بلوغ الدور الثاني للمرة الأولى منذ انتخابات 2022.
أما إدوار فيليب، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أبرز مرشح لمعسكر الوسط، فقد أظهر الاستطلاع تراجعاً واضحاً، إذ ينخفض رصيده إلى 16.5 في المائة في أفضل السيناريوهات، وقد يتراجع إلى 14 في المائة إذا خاض غابرييل أتال السباق، الأمر الذي يهدد بتشتت أصوات الوسط ويمنح ميلونشون فرصة للتقدم عليه.
وفي استطلاع منفصل أجرته مؤسسة Cluster17 لفائدة مجلة Le Point، تصدرت مارين لوبن أيضاً قائمة الشخصيات التي يرغب الفرنسيون في رؤيتها رئيسة للجمهورية، متقدمة على جان لوك ميلونشون ثم إدوار فيليب، غير أن هذا الاستطلاع يقيس “الرغبة في الفوز” أكثر من قياسه لنوايا التصويت الفعلية.
وكشف الاستطلاع نفسه أن 56 في المائة من الفرنسيين يعتبرون قرار مارين لوبن مواصلة الترشح للرئاسة بعد إدانتها القضائية “غير مبرر”، وهو ما يعكس استمرار التحفظات بشأن وضعها القانوني، رغم احتفاظها بقاعدة انتخابية واسعة.
كما أبرزت نتائج الاستطلاع عودة ميلونشون إلى صدارة معسكر اليسار، متقدماً على شخصيات بارزة مثل رافاييل غلوكسمان وفرانسوا روفان، مستفيداً من تماسك قاعدته الانتخابية، رغم استمرار ارتفاع نسبة الرافضين له، وهي صورة مشابهة إلى حد كبير لوضع مارين لوبن، التي تتمتع بدورها بقاعدة مؤيدة قوية يقابلها مستوى مرتفع من الرفض لدى جزء من الناخبين.
في المقابل، يواصل إدوار فيليب محاولاته للحفاظ على موقعه باعتباره المرشح الأبرز للتيار الوسطي، إلا أن تعدد الأسماء المحتملة داخل هذا المعسكر، وعلى رأسها غابرييل أتال، إلى جانب طموحات شخصيات من اليمين التقليدي مثل برونو روتايو، يجعل مهمة توحيد أصوات الوسط أكثر تعقيداً قبل الانتخابات.
وتشير هذه المعطيات إلى أن المشهد السياسي الفرنسي يتجه تدريجياً نحو إعادة تشكيل ثلاث كتل انتخابية رئيسية، تتمثل في اليمين القومي بقيادة مارين لوبن، واليسار بقيادة جان لوك ميلونشون، والوسط الذي يسعى إلى الحفاظ على تماسكه بعد اقتراب نهاية حقبة الرئيس إيمانويل ماكرون، في انتظار ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة من تطورات سياسية وقضائية قد تعيد رسم ملامح السباق الرئاسي الفرنسي.
