بقلم :حبيل رشيد . باحث في الحكامة العمومية
يقول جورج واشنطن، الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية:
“القائد الذي يسعى لبناء دولة متينة يجب أن يدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في العروض الصاخبة أو القرارات اللحظية، بل في فهم السياقات العميقة لكل حدث، وفي القدرة على تحويل الأزمات إلى محركات للنمو، وعلى استثمار الفرص حين تظهر دون تردد. القيادة تتطلب رؤية تمتد إلى ما وراء الأفق المباشر، إدراك العوامل الخفية التي تؤثر على الأمن والاستقرار، وفهم متى يجب أن يضغط ومتى يجب أن يتحرك بحذر، ومتى يكون التراجع استراتيجية لا هزيمة، ومتى يكون التقدم حتميًا. حكمة القائد تقاس بمدى إدراكه للتوازن بين الطموح والواقعية، بين القوى المتصارعة داخليًا وخارجيًا، وبين مصالح الدولة والمواطن على حد سواء.”
الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، جعل من هذه الرؤية الاستراتيجية نهجًا عمليًا، فالمغرب اليوم لا يُقاس بالزخارف الإعلامية ولا بالتصريحات البراقة، بل بالقدرة على الحفاظ على توازن الدولة أمام كل التحديات، والتحرك في أفق طويل الأمد مع ضمان مصالح الشعب والوطن. من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مرورًا بإصلاح مدونة الأسرة، وصولًا إلى مشاريع البنية التحتية العملاقة، يظهر أن العمل الملكي ينسج شبكة من السياسات المتكاملة التي تجمع بين التنمية الاجتماعية، والاستدامة الاقتصادية، والقوة المؤسسية.
التنمية الاجتماعية في المغرب لم تُفصل عن الاقتصاد ولا عن السياسة، بل شكلت جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية الوطنية الشاملة. برامج التضامن الاجتماعي، وتحسين مؤشرات الصحة والتعليم، وتوسيع الحماية الاجتماعية، كلها أدوات ذكية تضمن أن المواطن ليس مجرد متلقي للسياسات، بل شريك حقيقي في بناء الدولة الحديثة، واستدامة استقرارها، وتعزيز مكانتها بين الأمم. هذا التكامل بين البنية الاجتماعية والاقتصادية يعكس فهمًا دقيقًا لأهمية الإنسان كركيزة للحكم والاستقرار، ويؤكد أن الاستراتيجية الملكية لا تتوقف عند الأرقام بل تمتد إلى الواقع اليومي لكل مواطن.
البنية التحتية هي ركيزة أخرى في هذا التصميم الاستراتيجي. مشروع السكك الحديدية عالية السرعة “البُراق” يتجاوز كونه وسيلة نقل، ليصبح أداة ل ربط الاقتصاد الوطني بالخارجي، وتعزيز النفوذ الجيو‑اقتصادي للمغرب في محيطه الإفريقي والأوروبي. ميناء طنجة المتوسط، مع توسع شبكة الطرق والمطارات، يوضح القدرة على تحويل الموارد المادية إلى قوة استراتيجية، بحيث تصبح كل بوابة وميناء وطريق محورًا لتعزيز مركزية المغرب في شبكة التجارة الدولية، مع ضمان الربط بين الجهات وتخفيف التفاوتات الجهوية، بما يُظهر فكرًا استراتيجيًا متقنًا في إدارة الدولة.
الاستدامة البيئية والطاقة تشكلان بعدًا آخر من عمق الاستراتيجية. مجمع نور للطاقة الشمسية في ورزازات ليس مجرد محطة كهرباء، بل تجربة استراتيجية في الاستقلال الطاقي والحد من اعتماد الدولة على الوقود الأحفوري، مع فتح أفق الاقتصاد الأخضر في المنطقة. مشاريع تحلية المياه وإدارة الموارد المائية تعكس قدرة المغرب على مواجهة التحديات الطبيعية عبر تخطيط متكامل، يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التوازن بين الإنسان والبيئة، وبين الحاجة المحلية والتوجهات العالمية.
على الصعيد الصناعي، خطط التسريع الصناعي أعطت المغرب القدرة على إنشاء منظومة اقتصادية قوية ومترابطة، قادرة على المنافسة في مجالات السيارات والطيران والإلكترونيات، وخلقت مئات الآلاف من الوظائف المستدامة. هذه السياسة ليست مجرد تطوير للإنتاج، بل تحويل الاقتصاد الوطني إلى أداة نفوذ داخلي وخارجي، تعكس القدرة على توظيف الموارد البشرية والبنية التحتية لتعزيز القوة الوطنية.
الإصلاحات السياسية والدستورية تشكل امتدادًا طبيعيًا لهذه الاستراتيجية. دستور 2011 عزز استقلالية المؤسسات، ووفر إطارًا متوازنًا لصنع القرار، مع تمكين السلطات المحلية من المساهمة في التنمية، وتقليص الفوارق الجهوية، وتعزيز شفافية الحكم. هذا النظام يعكس إدراك القيادة الملكية لأهمية توازن القوى الداخلية، والمرونة في إدارة الدولة، والاستجابة للمتغيرات دون فقدان السيطرة.
الدبلوماسية المغربية، في هذا السياق، هي استمرارية للذكاء الاستراتيجي نفسه. عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، توسيع شبكة العلاقات الدولية، وتعزيز التفاوض الاقتصادي والسياسي مع دول العالم، ليست مجرد بروتوكول، بل استثمار ذكي للنفوذ والسيطرة على مراكز القرار، وتحويل أي ظرف إقليمي أو دولي إلى فرصة لتعزيز مصالح المملكة. القيادة الملكية تجمع بين المرونة والتمسك بالثوابت، مما يجعل المغرب لاعبًا مؤثرًا وليس مجرد متابع للأحداث الدولية.
برنامج الحكم الذاتي للصحراء نموذج حيوي للفكر الاستراتيجي؛ إذ يعكس قدرة المغرب على الجمع بين الواقعية والشرعية، بين الدفاع عن السيادة والمناورة السياسية، وتحويل قضية حساسة إلى مكسب استراتيجي يعزز مكانة الدولة في المجتمع الدولي. هذه المبادرة تُظهر ذكاء القيادة في تحقيق التوازن بين الداخل والخارج، بين الضغط السياسي والحل الدبلوماسي، وبين المبادرة الوطنية والمصالح القارية.
في الثقافة والفنون، المشاريع الكبرى مثل متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، وتعزيز الهوية الأمازيغية، تشير إلى فهم القيادة لأهمية الثقافة والهوية في تعزيز التماسك الوطني، وترسيخ مكانة المغرب في العالم. الثقافة هنا ليست زخرفًا بل أداة استراتيجية تُستخدم لتعزيز الوحدة الوطنية، ولإرسال رسالة عن قدرة المغرب على الجمع بين الحداثة والهوية، بين الانفتاح والتقاليد، بين القوة الناعمة والفاعلية المجتمعية.
كل هذه العناصر تتضافر لتؤكد عبقرية الملك محمد السادس في دمج القوى الداخلية والخارجية، واستشراف المستقبل، وتحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى أدوات تعزيز المؤسسات. المغرب اليوم قادر على مواجهة أي ظرف معقد، وتحويل الموارد إلى قوة، والقرارات إلى أدوات تأثير، والسياسات إلى أطر تنموية متكاملة.
في التعليم والصحة، يظهر نفس المنطق: استثمار في الإنسان كركيزة للتنمية، مراعاة العدالة بين الجهات، تقديم فرص متكافئة لكل مواطن، وتحويل الموارد إلى أدوات للتمكين الاجتماعي والاقتصادي. كل خطوة على الأرض تعكس التخطيط الاستراتيجي الملكي الدقيق، الذي يضع مصلحة الدولة والمواطن في قلب كل قرار، ويحول السياسة إلى فن عملي يُترجَم على الأرض إلى واقع ملموس.
القدرة على إدارة القوى الداخلية والخارجية، والتعامل مع المتغيرات بشكل مدروس، واستثمار الفرص في الوقت المناسب، يجعل المغرب لا تابعًا بل صانعًا للفرص والمستقبل، قادرًا على مواجهة التحديات، وتحويل كل مشروع إلى منصة قوة واستقرار، وكل قرار إلى حجر أساس في بناء الدولة الحديثة.
الإنجازات الملكية ليست مجرد مشاريع منفصلة، بل شبكة مترابطة من السياسات الاستراتيجية، والبرامج التنموية، والمبادرات الاجتماعية، التي تجعل المغرب دولة متقدمة، متوازنة، وفاعلة على كل المستويات، قادرة على مواجهة أي متغير عالمي أو إقليمي، وتعزيز مكانتها في القارة والعالم.
الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، يمثل رمز الحكامة والرؤية البعيدة المدى، حيث يجمع بين الواقعية والطموح، بين القوة والمرونة، بين الإنسان والمشروع الوطني، ليصبح المغرب دولة قوية، مستقرة، ومؤثرة، قادرًا على كتابة التاريخ بوعيه واستراتيجيته.

