تتزايد المخاوف الصحية بعدد من مناطق الجنوب الشرقي للمغرب، على خلفية انتشار حالات الإصابة بداء الليشمانيا الجلدية، خصوصا بمناطق فزواطة وتمكروت بإقليم زاكورة، وجماعة الجرف بإقليم الرشيدية، وسط مطالب جمعوية وحقوقية بتدخل عاجل لمحاصرة العدوى وتوفير العلاج للمصابين، وتعزيز جهود الوقاية من العوامل المساعدة على انتشارها.
وفي هذا السياق، دقت جمعية أصدقاء البيئة بإقليم زاكورة ناقوس الخطر بشأن الوضع الصحي بعدد من الجماعات الترابية، مشيرة إلى أن عدد الإصابات، وفق المعطيات التي تتوفر عليها، تجاوز 400 حالة، مع تسجيل معاناة متزايدة في صفوف السكان، ولا سيما الأطفال، في ظل ما وصفته بضعف العرض الصحي وغياب طبيب بعدد من الجماعات المعنية.
وأوضحت الجمعية أن داء الليشمانيا عدوى طفيلية تنتقل إلى الإنسان عبر لسعة أنثى ذبابة الرمل المصابة، ويمكن أن تتسبب في إصابات جلدية وتقرحات قد تترك ندوبا، فيما توجد أشكال أخرى من المرض، من بينها الليشمانيا الحشوية التي قد تكون أكثر خطورة وتستوجب تدخلا طبيا متخصصا.
وترتبط عوامل انتشار العدوى بوجود مستودعات طفيلية لدى بعض الحيوانات، خاصة القوارض، إلى جانب الظروف البيئية التي تساعد على تكاثر ذبابة الرمل، ومن بينها تراكم النفايات والمواد العضوية ووجود بؤر ملائمة لتكاثر الحشرات الناقلة.
وقال جمال أقشباب، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بإقليم زاكورة، إن المنطقة سبق أن شهدت خلال منتصف العقد الأول من الألفية الحالية انتشارا مماثلا، جرى التعامل معه من خلال خطة تدخل مشتركة شاركت فيها مندوبية الصحة والمصالح الفلاحية والجماعات الترابية والسلطات المحلية، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني، وهو ما ساهم، بحسب إفادته، في محاصرة الداء والتقليص من عدد الإصابات.
واعتبر أقشباب أن مواجهة الوضع الحالي تستدعي استحضار تلك التجربة، من خلال تدخل استعجالي يجمع بين تشخيص الحالات وعلاج المصابين، وتكثيف حملات التطهير ومكافحة القوارض والحشرات الناقلة، بدل الاقتصار على معالجة الحالات بعد ظهور الأعراض.
وربط الفاعل الجمعوي انتشار العدوى بالظروف البيئية التي شهدتها المنطقة، مشيرا إلى أن البرك والتجمعات المائية الناتجة عن التساقطات المطرية قد تساهم، إلى جانب عوامل أخرى، في تهيئة ظروف ملائمة لانتشار ذبابة الرمل. كما نبه إلى تعرض بعض السكان للسعات الحشرات خلال الليل، خصوصا مع اعتياد عدد منهم قضاء فترات من الليل فوق أسطح المنازل خلال فصل الصيف.
وحذر المتحدث من أن استمرار الظروف البيئية المساعدة على انتشار الحشرة، بالتزامن مع تسجيل تساقطات مطرية جديدة، قد يزيد من صعوبة احتواء الوضع، داعيا إلى التحرك الميداني قبل تسجيل مزيد من الإصابات.
وتطالب جمعية أصدقاء البيئة بتعبئة أطقم طبية وتمريضية لتشخيص الحالات وعلاجها وتتبعها، وتعزيز العرض الصحي بالمناطق المتضررة، إلى جانب تنظيم حملات ميدانية لمكافحة القوارض وذبابة الرمل ومعالجة بؤر التلوث. كما دعت إلى تكثيف عمليات النظافة والتطهير، وإطلاق برامج تحسيسية داخل المؤسسات التعليمية، وإحداث لجنة محلية للتنسيق والتتبع تضم مختلف المصالح المعنية والفعاليات المدنية.
ولا يقتصر القلق على إقليم زاكورة، إذ يثير الوضع بجماعة الجرف التابعة لإقليم الرشيدية بدوره مطالب حقوقية بتدخل المصالح الصحية والسلطات المحلية. وفي هذا الإطار، وصف يونس قادري، عضو اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان وعضو فرعها بالإقليم، الوضع الصحي بالمنطقة بأنه مقلق، معتبرا أن انتشار المرض كان يستدعي تدخلا وقائيا مبكرا بالنظر إلى معرفة العوامل المرتبطة بانتقاله.
وأشار قادري إلى أن المستوصف الصحي بالمنطقة لا يتوفر، وفق إفادته، على القدرة الكافية لاستقبال جميع المصابين، موضحا أن طول فترات الانتظار يدفع بعض المرضى إلى العزوف عن التوجه إليه، وهو ما يطرح، بحسبه، إشكالية الولوج إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب.
ودعا الناشط الحقوقي مصالح وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى توفير الأدوية والعلاجات اللازمة، وتعبئة العدد الكافي من الأطر الطبية والتمريضية، مع تعزيز قدرات المؤسسات الصحية المحلية على استقبال الحالات وتتبعها.
كما طالب السلطات المحلية والمصالح المختصة بقطاع الفلاحة بتكثيف التدخلات الرامية إلى الحد من مصادر انتشار العدوى، من خلال مكافحة القوارض وذبابة الرمل، وتنظيم حملات للنظافة والتطهير بالمناطق المحاذية للتجمعات المائية والأودية.
وحذر قادري من احتمال استمرار انتشار المرض في حال تأخر التدخلات الوقائية والعلاجية، مشيرا إلى أن حالة القلق وسط السكان بدأت تترجم إلى مطالب بالاحتجاج، سواء بجماعة الجرف أو أمام المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية.
وبين زاكورة والرشيدية، تكشف المطالب الصادرة عن الفعاليات المدنية والحقوقية عن حاجة المناطق المتضررة إلى تدخل منسق لا يقتصر على توفير العلاج، بل يشمل أيضا الرصد الوبائي ومكافحة الحشرات الناقلة والقوارض، وتحسين شروط النظافة والوقاية البيئية، بما يحد من انتشار العدوى ويحمي الفئات الأكثر عرضة للإصابة، وفي مقدمتها الأطفال.
