شهدت مدينة الدار البيضاء، يوم الخميس الماضي، انعقاد اللقاء الموضوعاتي الرابع لرابطة الاقتصاديين الاستقلاليين، والذي خُصص لتدارس آليات حماية الأسر المغربية من الغلاء التصاعدي للمواد الأساسية. ويندرج هذا الموعد، الذي حضرته قيادات من حزب الاستقلال وبرلمانيون ومنتخبون وخبراء، ضمن سلسلة اللقاءات الجهوية لسنة 2026 المنظمة تحت شعار “تعزيز الثقة وصون الكرامة: خطة عمل 2026-2035″، حيث شكل منصة حيوية للنقاش حول تداعيات ارتفاع كلفة المعيشة في ظل التحولات والأزمات الدولية والإقليمية المتسارعة.
وأجمع المتدخلون خلال هذا اللقاء على أن تشخيص الوضعية الراهنة ينأى عن أي مزايدات سياسية، بل يهدف بالأساس إلى صياغة بدائل ومقترحات عملية تستجيب للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين ودعم الفلاحين.
وتأتي هذه الخطوة استجابة للمؤشرات المقلقة التي تؤكد استشعار شريحة واسعة من المغاربة لتراجع حقيقي في قدرتهم الشرائية وانحسار إمكانيات الادخار لديهم. ورغم التراجع النسبي المسجل في معدلات التضخم، نبه الحاضرون إلى أن وطأة الأسعار لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على ميزانية الأسر، لا سيما الفئات الهشة والمتوسطة التي تخصص جُل مداخيلها للاحتياجات الغذائية والمعيشية اليومية.
وفي معرض تحليلهم لجذور الأزمة، عزا الخبراء تفاقم أسعار المواد الأساسية إلى تضافر عوامل خارجية مرتبطة بالاضطرابات الجيوسياسية العالمية، وأخرى داخلية تتصدرها تداعيات الجفاف والتغير المناخي.
غير أن النقاش سلط الضوء بشكل لافت على الاختلالات العميقة التي تعتري سلاسل الإنتاج والتوزيع الوطنية، وفي مقدمتها إشكالية تعدد الوسطاء وضعف تنظيم قنوات التسويق؛ وهو ما يكرس غياب الشفافية ويوسع الهوة بشكل غير مبرر بين ثمن البيع الأصلي عند الفلاح والسعر النهائي الذي يكتوي به المستهلك.
وتجاوزاً لهذه المعضلات، رافع المشاركون من أجل إرساء مفهوم “الثمن العادل”، المتمثل في معادلة اقتصادية متوازنة تضمن دخلاً منصفاً للمنتج، وتحمي المواطن من الزيادات العشوائية، وتكفل للموزعين هوامش ربح معقولة تعكس حقيقة الخدمات المقدمة، بعيداً عن منطق التثبيت المصطنع للأسعار.
كما دعوا إلى ضرورة القطع مع الحلول الترقيعية الظرفية، والتوجه نحو إصلاحات هيكلية عميقة تعزز الأمن والسيادة الغذائيين للمملكة، عبر تطوير سياسة فلاحية تتماشى مع المقدرات الطبيعية للبلاد وترشيد استعمال الموارد المائية بالاعتماد على التقنيات الحديثة والرقمنة لتعزيز آليات التتبع داخل الأسواق.
وتُوج اللقاء ببلورة حزمة من المقترحات العملية الرامية إلى إعادة التوازن للأسواق الوطنية، أبرزها المطالبة بإصلاح شامل لمنظومة أسواق الجملة، وتقوية آليات التجميع والتخزين، وإحداث بنيات جهوية متخصصة تربط المنتجين بالأسواق مباشرة للحد من المضاربات. وإلى جانب ذلك، اقترح المجتمعون تأسيس مرصد وطني لتتبع هوامش الربح في توزيع المواد الأساسية، في خطوة تطمح إلى ترسيخ الشفافية ومحاربة كل أشكال الاحتكار، بما يؤسس لنقاش وطني مسؤول يجعل من الأمن الغذائي وحماية القدرة الشرائية دعامة أساسية للتنمية وتوطيداً لثقة المواطن في مؤسساته.
