العلوي زكرياء
تُعد قصة نانسي الطويل واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية تأثيرًا في تاريخ المغرب الحديث، حيث تختزل رحلة شابة أمريكية تحولت من حياة مجندة عادية إلى رمز للوفاء والصمود، في مواجهة أحد أكثر الملفات غموضًا خلال سنوات الجمر و الرصاص بالمغرب، وهو معتقل تازمامارت.
قبل أن يولد اسم “ثريا الطويل”، كانت شابة أمريكية تعيش حياة هادئة، تخرجت سنة 1964 وبدأت مسارها في التدريس بولاية واين. غير أن قرارها السفر إلى المغرب خلال ستينيات القرن الماضي، للعمل داخل القاعدة العسكرية الأمريكية-المغربية بمدينة القنيطرة، غيّر مجرى حياتها بالكامل.
هناك، التقت نانسي بزوجها المستقبلي “امبارك الطويل”، لتنطلق بينهما قصة حب تجاوزت اختلاف الثقافات والحدود، وتُتوَّج بزواج سريع و غيرت اسمها بعد إسلامها من نانسي إلى ثريا الطويل ،لم تكن تعلم أن هاته العلاقة ستقودها إلى واحدة من أصعب التجارب الإنسانية.
في سنة 1972، تزامن ميلاد ابن مبارك و ثريا الطويل مع حدث مفصلي في تاريخ المغرب ، وهو محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 1972 بالمغرب، التي تورطت فيها عدد كبير من العسكريين.
وجد امبارك الطويل نفسه وسط هذه الأحداث و مجموعة من تصريحات زملاءه و ضبات اخرين ورطته في العملية ، ليُدان لاحقًا ويُحكم عليه بالسجن 20 سنة، رغم تأكيد زوجته أنه لم يكن على علم بأي مخطط.
بعد اعتقال مبارك الطويل رفقة عدد كبير من الضباط المحكومين بسنوات طويلة من الحبس و الاعدامات انقطعت المعلومات عن مصيرهم و مكان اعتقالهم ، عاشت نانسي مرحلة من الغموض القاسي، حيث لم تكن تعلم مكان زوجها و لم تستطع زيارته او معرفتة مصيره ، في وقت راجت فيه أخبار عن احتمال تصفية المعتقلين. ورغم القيود التي فُرضت عليها داخل المغرب، تمكنت من مغادرة البلاد بشكل غير قانوني رفقة ابنها، لتعود إلى الولايات المتحدة وتبدأ معركتها النضالية لمعرفة مصير زوجها.
من هناك، أطلقت حملة دولية للتعريف بقضية زوجها و معتقلي تازمامارت، مستفيدة من علاقاتها واتصالاتها، حيث طرقت أبواب عدة منظمات حقوقية، و وصل صوتها حتى البيت الأبيض.
رغم مرور السنوات، ظلت نانسي تؤمن أن زوجها على قيد الحياة، وكانت تصف هذا الإحساس بـ”ذبذبات” تشعر بها رغم بعد المسافات.
وبعد 19 سنة من الصمت تكللت جهود ثريا الطويل بالنجاح ، و تحقق ما كانت تؤمن به، حيث تمكنت من سماع صوت مبارك الطويل لأول مرة بعد خروجه من المعتقل.
ساهمت جهود نانسي “ثريا “الطويل بشكل كبير في لفت الانتباه الدولي إلى معتقل تازمامارت، الذي ظل لسنوات ملفًا مسكوتًا عنه و لا احد يعلم حقيقته . وقد أقر العديد من الناجين بالدور الذي لعبته في الضغط من أجل إنهاء معاناتهم، حيث شكلت صوتًا خارجيًا قويًا في الدفاع عنهم.
بعد الإفراج عن امبارك الطويل، التحق بزوجته بالولايات المتحدة الامريكية و بدأت مرحلة جديدة في حياة الزوجين، حيث عملا معًا على تجاوز آثار سنوات الاعتقال. تعلم امبارك مهنة التمريض، بينما عادت نانسي إلى التدريس قبل أن يتقاعدا لاحقًا، ويبدآ حياة هادئة بعيدًا عن الأضواء.
اليوم، تُعد قصة نانسي الطويل مثالًا حيًا على قوة الإرادة الإنسانية، وعلى قدرة الحب على الصمود أمام أقسى الظروف. كما تبقى شاهدة على مرحلة حساسة من تاريخ المغرب، وعلى معاناة معتقلي تازمامارت الذين خرجوا إلى الحياة بعد سنوات من الصمت.
قصة لم تكن مجرد حكاية زوجة تبحث عن زوجها، بل ملحمة إنسانية كتبتها امرأة بإصرار نادر، لتثبت أن الأمل قد يولد حتى في أحلك اللحظات.

