يواجه الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو أزمة سياسية وقضائية متصاعدة، على خلفية اتهامات تتعلق باستغلال النفوذ وتقديم عقود حكومية مقابل علاقات جنسية، في قضية باتت تعرف إعلاميا باسم «فضيحة العقود الجنسية»، بعدما انتقلت من التصريحات الإعلامية إلى مسار التحقيق القضائي وجمع الأدلة.
وتفجرت القضية عقب اتهامات وجهتها الشابة الكولومبية ديسي أليخاندرا خيمينيز راميريز، البالغة من العمر 26 عاما، إلى بيترو، قالت فيها إنه ساعدها، إلى جانب نساء أخريات، على الحصول على عقود عمل ومهام استشارية داخل مؤسسات الدولة، مقابل إقامة علاقات حميمية معه وتلبية طلباته الشخصية.
ووفق رواية خيمينيز، التي أدلت بها في مقابلة إعلامية، فإن الأمر لا يتعلق بحالة منفردة، بل بشبكة تضم ما بين 30 و40 امرأة، زعمت أنهن حصلن على امتيازات تعاقدية مقابل خدمات شخصية. غير أن هذه الادعاءات لا تزال موضوع تحقيق، ولم يصدر بشأنها حكم قضائي يثبت صحتها.
وتطور الملف بشكل لافت بعد نشر خيمينيز مقطعا مصورا يظهر فيه بيترو إلى جانبها، معتبرة أن الفيديو دليل على طبيعة العلاقة التي جمعتهما. كما أعلنت استعدادها للتعاون مع القضاء، مطالبة بتوفير الحماية لها ولأفراد أسرتها، ومحمّلة الرئيس السابق المسؤولية عن أي مكروه قد يتعرضون له.
وفي خطوة قضائية مهمة، أمرت المحكمة العليا الكولومبية بإجراء تفتيش قضائي بمقر أمانة مجلس الشيوخ، من أجل جمع الوثائق المتعلقة بالعقود التي استفادت منها خيمينيز داخل المؤسسة التشريعية، والتحقق من طبيعة ارتباطاتها المهنية والجهات التي تولت التعاقد معها.
كما سلمت المعنية بالأمر هاتفها إلى السلطات المختصة، حيث خضع لاستخراج جنائي للبيانات شمل الرسائل والمحادثات والمواد الرقمية، في إطار البحث عن عناصر يمكن أن تساعد المحققين على التثبت من روايتها. وأفادت تقارير إعلامية كولومبية بأن عملية استخراج البيانات استغرقت أكثر من 15 ساعة، وأسفرت عن جمع محادثات ووثائق تعاقدية ومواد أخرى تخضع للفحص.
وتشير المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام كولومبية إلى أن خيمينيز استفادت من عقود مع جهات حكومية ومؤسسات رسمية، من بينها مجلس الشيوخ ووزارة الداخلية وهيئة مراقبة الأمن، فيما يتركز التحقيق على معرفة ما إذا كانت هذه العقود قد منحت وفق معايير مهنية وإدارية سليمة، أم ارتبطت بتدخلات غير مشروعة.
وفي المقابل، نفى غوستافو بيترو بشكل قاطع أن يكون قد منح عقودا حكومية مقابل علاقات جنسية، معتبرا أن الاتهامات تندرج ضمن حملة سياسية تستهدفه، ووجّه انتقادات إلى الحكومة الحالية، التي يرأسها أبيلاردو دي لا إسبرييا منذ غشت 2026. ولم يمنع هذا النفي السلطات القضائية من مواصلة التحقيق في الوقائع المبلغ عنها.
وتكتسي القضية حساسية خاصة بالنظر إلى أن بعض الوقائع المزعومة تعود إلى الفترة التي كان فيها بيترو عضوا في مجلس الشيوخ، فيما تتعلق اتهامات أخرى بمرحلة توليه رئاسة الجمهورية. وقد أعلنت السلطات القضائية وجود تنسيق بين المحكمة العليا والنيابة العامة والجهات المختصة بالتحقيق في المسؤولية السياسية، من أجل تحديد طبيعة الأفعال المنسوبة إليه والجهات التي قد تكون لها صلة بها.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش بشأن حدود استغلال السلطة العمومية، ومدى إمكانية توظيف التعيينات والعقود الحكومية لخدمة مصالح شخصية، في حال أثبتت التحقيقات وجود صلة بين الامتيازات الإدارية والعلاقات الخاصة.
وكان بيترو، الذي تولى رئاسة كولومبيا بين عامي 2022 و2026، أول رئيس يساري في تاريخ البلاد، كما ارتبط اسمه بمواقف سياسية ودبلوماسية مثيرة للجدل، من بينها تجديد دعم بلاده لجبهة البوليساريو وإعادة العلاقات معها. غير أن القضية الحالية تضعه أمام اختبار قضائي وسياسي جديد، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات بشأن الاتهامات الموجهة إليه.
وتبقى الكلمة الفصل للقضاء الكولومبي، الذي يتعين عليه التحقق من الأدلة والتمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات، في قضية قد تكون لها تداعيات واسعة على مستقبل بيترو السياسي وعلى صورة المؤسسات العمومية في كولومبيا.
