تحقيق صحفي – بقلم: رجاء العلوي
قبل ثلاثة وتسعين عاما ، في العاشر من نوفمبر 1933، وقف أدولف هتلر أمام آلاف العمال في مصنع سيمنز ببرلين، وألقى خطابا بثته الإذاعة الألمانية إلى كل بيت. كان يتحدث عن “عصابة دولية صغيرة بلا جذور“، لا وطن لها، تتنقل بين برلين وبروكسل وباريس، وتغذي الكراهية بين الشعوب. لم ينطق بكلمة “يهود“، لكن الحضور صاحوا بها. كانت تلك اللحظة إيذانا بكارثة أوروبية أودت بستة ملايين شخص.
واليوم، في خضم حرب إسرائيلية-أمريكية مفتوحة على غزة ولبنان وإيران، تعود تلك الصور النمطية ذاتها، ولكن هذه المرة ليس كخطاب عنصري ضد اليهود في الشتات، بل كأداة لتبرير سياسات دولة قومية مسلحة تمتلك رابع أقوى جيش في العالم وتشن حروب بالوكالة عن الإدارة الأمريكية.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ما نراه اليوم في الشرق الأوسط هو صراع سياسي مشروع، أم أن إسرائيل، بغطاء أمريكي، تعيد إنتاج منطق “العصابة الدولية” التي وصفها هتلر، ولكن من موقع القوة في هذه المرة؟.
من اتهام اليهود بـ”العدمية”إلى تبرير حرب الإبادة
في خطابه الشهير، قال هتلر:
إنها عصابة دولية صغيرة بلا جذور، تضرب الشعوب بعضها ببعض، ولا تريد أن تهدأ. إنهم أناس يشعرون بأنهم في وطنهم في كل مكان ولا مكان، ليس لديهم في أي مكان أرض نشأوا عليها، بل يعيشون اليوم في برلين، وقد يكونون غداً في بروكسل، وبعد غد في باريس، ثم مرة أخرى في براغ أو فيينا أو لندن.
كانت هذه الاتهامات تهدف إلى تجريد اليهود من حقهم في الانتماء إلى أي أرض، وتصويرهم كعناصر دخيلة تتحكم بخيوط السياسة العالمية من خلف الستار.
اليوم، وبعد قيام دولة إسرائيل، وبعد أن أصبح لها جيش احتلال، وسلاح نووي، ولوبيات تضغط على واشنطن من داخلها، وبعد أن حولت غزة إلى أكبر مقبرة جماعية في العصر الحديث، وبعد أن فتحت جبهة لبنان بقصف منهجي يستهدف المدنيين، وبعد أن دفعت الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة مع إيران في مارس 2026، فإن الصورة قد انقلبت رأساً على عقب.
لم تعد إسرائيل “العصابة عديمة الجذور” التي يتهمها هتلر، بل أصبحت هي الدولة التي تمارس نفس منطق “لا وطن لنا إلا حيث نملي إرادتنا”، وتستخدم القوة المطلقة لفرض معادلة جديدة في المنطقة: إما الخضوع أو الإبادة.
غزة: نموذج للإبادة المنهجية
منذ السابع من أكتوبر 2023، شنت إسرائيل حرباً على قطاع غزة، وصفها خبراء الأمم المتحدة بأنها “إبادة جماعية” في تقارير متعددة. حتى مارس 2026، بلغ عدد الشهداء في غزة أكثر من 160 ألفاً بين قتيل ومفقود تحت الأنقاض، وفق تقديرات مستقلة، مع تدمير منهجي للمنظومة الصحية والتعليمية والبنية التحتية.
ما حدث في غزة ليس مجرد رد عسكري على عملية طوفان الأقصى، بل كان مشروعاً سياسياً واضحاً: تحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة، وتهجير السكان قسراً، وصولاً إلى مخططات الضم والاستيطان التي أعلن عنها وزراء في الحكومة الإسرائيلية علناً.
هذا ليس دفاعاً عن النفس، هذا هو منطق “المجال الحيوي” الذي كان هتلر يتبناه، حيث يتم تطهير الأرض من سكانها الأصليين لإفساح المجال لمشروع استيطاني توسعي. الفارق الوحيد أن هتلر كان يفعله باسم العرق الآري، وإسرائيل تفعله باسم “الأمن القومي اليهودي”.
لبنان: فتح جبهة ثانية تحت ذريعة “القضاء على حزب الله“
بالتزامن مع حرب غزة، وسعت إسرائيل عملياتها العسكرية إلى لبنان، بحجة تفكيك قدرات حزب الله. الغارات الجوية الإسرائيلية لم تستهدف فقط المناطق التي يتواجد فيها عناصر الحزب، بل طالت أحياء سكنية كاملة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبلدات حدودية، ومخيمات فلسطينية، وأسواقاً شعبية.
بحسب وزارة الصحة اللبنانية، تجاوز عدد الضحايا المدنيين في لبنان منذ أكتوبر 2023 وحتى مارس 2026 أكثر من 12 ألف شهيد، مع نزوح نحو 1.2 مليون شخص داخليا. وشهد لبنان انهيارا اقتصاديا متسارعا نتيجة الحرب، في مشهد أعاد إلى الأذهان “الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006” التي خلفت دماراً هائلا.
المنطق الإسرائيلي هنا واضح: أي قوة تقف في وجه التوسع أو تدعم المقاومة الفلسطينية يجب أن تُسحق، مهما كان الثمن البشري. إنه منطق “الطفيلي” الذي وصفه هتلر، ولكن هذه المرة الطفيلي هو الذي يمتلك الطائرات من طراز F-35 والدبابات الحديثة.
الحرب على إيران: نتنياهو يجر ترامب إلى المستنقع
في مارس 2026 الماضيد، اندلعت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بعد ضربات جوية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، تبعها تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، وارتفاع جنوني في أسعار النفط تجاوز150 دولاراً للبرميل.
التسريبات التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز ووكالة أكسيوس أكدت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغط بشدة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشن هذه الحرب، مستغلاً موقف ترامب المتشدد تقليدياً ضد إيران، ومستخدماً ورقة “الخطر الوجودي“ التي تنجح دائما بها في استمالة الرأي العام الأمريكي.
المشهد هنا يعيد إنتاج إحدى أبرز نظريات المؤامرة التي روجتها الدعاية النازية: “اليهود يتحكمون في عصب العالم“. لكن هذه المرة النظرية ليست مجرد افتراء، بل واقع سياسي يتجلى في كيفية قيام دولة خارج حدود الولايات المتحدة بجر القوة العظمى إلى حرب إقليمية لا تخدم المصالح الأمريكية بقدر ما تخدم الأجندة الإسرائيلية.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان ترامب ليشعل حرباً مع إيران لولا الضغوط الإسرائيل ، وهل كان نتنياهو ليغامر بفتح جبهة إقليمية شاملة دون غطاء أمريكي مطلق؟
الواقع يقول: لا. هذا هو بالضبط ما كانت تعنيه نظرية “اللوبي الصهيوني” قبل أن تتحول إلى شعار معاد للسامية. اليوم أصبحت حقيقة مؤسسية لا يمكن إنكارها، مع منظمات مثل إيباك (AIPAC) التي تمول الحملات الانتخابية للكونغرس الأمريكي، والكثير من صناع القرار في واشنطن الذين يضعون مصلحة إسرائيل فوق مصلحة بلادهم.
“لا وطن لهم في أي مكان“؟ إسرائيل وطن فوق كل الأوطان
كان هتلر يتهم اليهود بأنهم “إنهم أولئك الذين لا وطن لهم في أي مكان وفي كل مكان، لا يملكون أرضاً نشأوا عليها، بل يعيشون في برلين اليوم، وبروكسل غداً، وباريس بعد غد، ثم في براغ أو فيينا أو لندن، ويشعرون بالراحة في كل مكان
“. اليوم، إسرائيل لا تملك أرضاً فحسب، بل تملك أراضي غيرها دولة بدون حدود و تتوسع على حياب جيرانها . فهي تحتل الجولان السوري، وتضم القدس الشرقية، وتوسع المستوطنات في الضفة الغربية، وتقصف سوريا ولبنان وإيران متى شاءت، تحت ذريعة الأمن.
هذا ليس تشبه بالنازية، هذا نقد لمنطق القوة المفرطة الذي أصبح سمة أساسية للسياسة الإسرائيلية، بدعم أمريكي غير محدود. ففي الوقت الذي تدّعي فيه إسرائيل أنها “الدولة القومية للشعب اليهودي” وتطالب العالم بالاعتراف بحقها في الوجود، فإنها تنكر على الفلسطينيين حقهم في دولة مستقلة، وتقتل وتشرد وتهدم بيوتهم.
نقد السياسات الأمريكية–الإسرائيلية ليس معاداة للسامية
هنا يجب أن نكون حازمين: نقد السياسات الإسرائيلية الأمريكية ليس معاداة للسامية، تماماً كما أن نقد سياسات روسيا في أوكرانيا ليس معاداة للروس، ونقد سياسات الصين في التبت ليس معاداة للصينيين.
لكن ما تفعله إسرائيل اليوم، بحماية أمريكية كاملة، هو تجاوز لكل الخطوط الحمراء الإنسانية والقانونية:
- – استهداف المستشفيات والمدارس والمخيمات في غزة.
- – استخدام الفوسفور الأبيض المحرم دولياً في لبنان.
- – اغتيال شخصيات سياسية وإعلامية في دول عربية.
- – جر المنطقة إلى حرب إقليمية مع إيران تهدد الأمن العالمي.
هذه السياسات ليست دفاعاً عن النفس، بل هي امتداد لمشروع استيطاني–عسكري بدأ عام 1948 ولم يتوقف. وإذا كان النقد السياسي لهذه السياسات يُعتبر “معاداة للسامية” في الخطاب الغربي الرسمي، فهذا يعني أن الديمقراطيات الغربية قد استسلمت للابتزاز السياسي والأخلاقي من قبل دولة تمارس الإبادة تحت غطاء “حق الدفاع عن النفس”.
التاريخ يعيد نفسه لكن الضحايا يختلفون
خطاب هتلر في 10 نوفمبر 1933 كان تحذيراً من خطورة الصور النمطية التي تتحول إلى إبادة. اليوم، بعض الصور النمطية ذاتها تعاد صياغتها، لكن هذه المرة في سياق مختلف تماماً: إسرائيل هي التي تمتلك القوة المطلقة، والولايات المتحدة هي التي تمدها بالغطاء السياسي والعسكري، والشعب الفلسطيني واللبناني والإيراني هم الضحايا الجدد لمنطق “الطفيلي” و”عديم الجذور“ الذي كان يروج له هتلر قبل تسعة عقود.
المشكلة ليست في كون إسرائيل دولة يهودية، بل في كونها دولة فوق القانون الدولي، تنتهك كل الأعراف الإنسانية، وتجر المنطقة والعالم إلى صراعات لا نهاية لها، باسم “الأمن” و”الدفاع عن النفس”.
المشكلة أيضاً في الإدارة الأمريكية التي تخضع للوبي إسرائيلي قوي، وتوافق على كل ما تفعله تل أبيب، من غزة إلى لبنان إلى إيران، وكأنها أصبحت ولاية أمريكية رقم 51 تتمتع بحق النقض على السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
إذا كان العالم يريد حقاً السلام في الشرق الأوسط، فعليه أولاً أن يوقف هذه الحرب المفتوحة، وأن يضع حداً للإفلات الإسرائيلي من العقاب، وأن يعترف بحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وحق اللبنانيين في السيادة على أراضيهم، وحق الإيرانيين في العيش بكرامة دون تهديد بالحرب.
وإلا، فسيبقى الشرق الأوسط مسرحاً مفتوحاً للحروب التي تشعلها “عصابة دولية” جديدة، هذه المرة ليست “بلا جذور”، بل ذات جذور عميقة في واشنطن وتل أبيب، تغذي الكراهية وتضرب الشعوب بعضها ببعض، تماماً كما وصف هتلر قبل أن يتحول وصفه إلى كارثة أوروبية.
العبرة من التاريخ ليست في حفظ خطاباته، بل في منع تكرار مآسيه.
*المصادر: أرشيف خطابات هتلر (1933)، تقارير الأمم المتحدة حول الحرب على غزة، وزارة الصحة اللبنانية، نيويورك تايمز، أكسيوس، رويترز (مارس 2026)، تعريف IHRA لمعاداة السامية.*

