في صفحات التاريخ السياسي المغربي الحديث، يبرز اسم محمد البصري المعروف بـ“الفقيه البصري” كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً وإثارة للجدل، إذ جمع بين العمل المقاوم ضد الاستعمار الفرنسي، والقيادة التنظيمية في العمل السري، ثم المعارضة السياسية الحادة بعد الاستقلال، وصولاً إلى سنوات طويلة من المنفى قبل عودته إلى المغرب في منتصف التسعينيات.
ولد محمد البصري سنة 1925 (وتورد بعض المصادر سنة 1930) في منطقة دمنات بضواحي مراكش، وسط بيئة جبلية محافظة. بدأ تعليمه في الكتاتيب القرآنية حيث حفظ القرآن الكريم، وهو ما منحه لقب “الفقيه” الذي ظل ملازماً له طوال مسيرته.
انتقل لاحقاً إلى مراكش للالتحاق بمعهد ابن يوسف، أحد أبرز مراكز التكوين العلمي والفكري آنذاك، حيث بدأت تتشكل ملامح وعيه السياسي في سياق الحركة الوطنية المغربية ضد الاستعمار الفرنسي.
مع تصاعد المقاومة عقب نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953، انخرط الفقيه البصري في العمل السري، وكان من أبرز المؤسسين لبنية تنظيمية مقاومة عُرفت بـ“المنظمة السرية”، إلى جانب شخصيات بارزة مثل محمد الزرقطوني ورفاقه في جيش التحرير.
وقد لعب دوراً محورياً في:
- التخطيط لعمليات فدائية ضد الاستعمار الفرنسي
- تنظيم الخلايا السرية داخل المدن الكبرى
- التنسيق بين العمل السياسي والعمل المسلح
هذا النشاط جعله هدفاً مباشراً للسلطات الاستعمارية، حيث تم اعتقاله سنة 1954 وصدر في حقه حكم بالإعدام.
في واحدة من أبرز محطات حياته، تمكن الفقيه البصري سنة 1955 من الفرار من السجن قبل تنفيذ الحكم، في واقعة اعتُبرت من أشهر عمليات الهروب السياسي في تلك المرحلة.
بعدها عاد بسرعة إلى قيادة العمل المقاوم إلى غاية الاستقلال سنة 1956.
لم يتوقف نشاط البصري بعد الاستقلال، بل انتقل إلى مرحلة جديدة من المواجهة السياسية، حيث اعتبر أن الاستقلال لم يحقق كل أهداف الحركة الوطنية.
وفي سنة 1959، كان من أبرز مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى جانب المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد، قبل أن يتجه جناح منه إلى العمل السري والمعارضة الراديكالية.
عرفت مسيرته السياسية منعطفاً حاداً خلال الستينيات، حيث اتُهم بالتخطيط لمحاولات انقلابية وأحداث مسلحة، وصدر في حقه أكثر من حكم بالإعدام غيابياً، خصوصاً خلال محاكمات 1971 و1973.
وبعد اختفاء طويل، دخل الفقيه البصري في منفى استمر حوالي 30 سنة، تنقل خلالها بين عدة دول، وظل من أبرز الأصوات المعارضة للنظام السياسي المغربي في تلك المرحلة.
في منتصف التسعينيات، استفاد من انفراج سياسي تدريجي سمح بعودته إلى المغرب سنة 1995، في إطار مصالحة وطنية غير معلنة مع عدد من رموز المعارضة والمنفى.
توفي محمد البصري سنة 2003 بمدينة شفشاون إثر أزمة قلبية، عن عمر يناهز 78 سنة، وشيّع في جنازة حضرها عدد من الفاعلين السياسيين والوطنيين، لتُطوى بذلك صفحة أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ المغرب المعاصر.
