بقلم: حبيل رشيد.
تتجه الحكومة المغربية نحو ترسيخ مقاربة ميزانياتية جديدة تتأسس على منطق التوقع والتخطيط متوسط المدى، في سياق يتسم بتزايد الضغوط الاجتماعية وتنامي الإكراهات الاقتصادية، حيث يشكل إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 مدخلاً لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواردها، على أساس النجاعة وربط الإنفاق العمومي بالأثر الفعلي… ومن ثم، فإن الدعوة إلى إعداد برمجة ميزانياتية تمتد لثلاث سنوات، خلال الفترة 2027–2029، تعكس توجها يروم تجاوز محدودية التدبير السنوي، والانتقال نحو رؤية أكثر اتساعاً وتكاملاً.
لا شك أن هذا الاختيار يستند إلى مقتضيات قانونية تؤطر المالية العمومية، وتؤكد على ضرورة اعتماد برمجة متعددة السنوات يتم تحيينها بشكل دوري، بما يسمح بتعزيز وضوح الرؤية الاستراتيجية وتحسين تدبير الموارد… كما أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات التي تعرفها السياسات العمومية، حيث أصبح من الضروري تأطيرها ضمن أفق زمني يتيح التتبع والتقييم، ويكرس ثقافة النتائج بدل الاكتفاء بمنطق الوسائل.
وفي هذا الإطار، تتأكد مركزية الحكامة المالية كرافعة أساسية لضبط التوازنات، حيث إن ربط الاعتمادات المرصودة بأهداف دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس يعكس سعياً نحو إرساء نموذج تدبيري أكثر عقلانية… غير أن هذا الطموح يطرح، في الآن ذاته، تحديات مرتبطة بمدى قدرة القطاعات الحكومية على تحويل هذه المؤشرات إلى نتائج ملموسة، في ظل استمرار بعض الاختلالات البنيوية التي تعيق نجاعة التنفيذ.
ومن بين أبرز المحاور التي تستأثر باهتمام هذه البرمجة، يبرز ورش تعميم الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أعمدة الدولة الاجتماعية، حيث إن توسيع التغطية الصحية ليشمل فئات واسعة من المواطنين يمثل خطوة متقدمة في مسار تعزيز العدالة الاجتماعية… وبالتالي، فإن الرهان لم يعد مقتصراً على توسيع قاعدة المستفيدين، وإنما يمتد إلى ضمان استدامة تمويل هذه المنظومة، في ظل تزايد الطلب على الخدمات الصحية وارتفاع كلفتها.
وعلاوة على ذلك، يظل إصلاح المنظومة الصحية أحد الملفات الأكثر إلحاحاً، بالنظر إلى التحديات المتراكمة التي يعرفها القطاع، حيث إن تأهيل المؤسسات الاستشفائية، وتعزيز الموارد البشرية، وتسريع رقمنة الخدمات الصحية، كلها إجراءات تروم إعادة الاعتبار للمرفق العمومي… غير أن التجربة أبانت، في أكثر من محطة، أن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات، وإنما بمدى حسن تدبيرها وتوجيهها نحو تحقيق الأثر المطلوب.
وفي قطاع التعليم، تتعزز أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري، باعتباره المدخل الأساسي لأي تحول تنموي، حيث إن مواصلة إصلاح منظومة التربية والتكوين تظل أولوية وطنية لا تقبل التأجيل… كما أن توسيع برنامج “مؤسسات الريادة” ليشمل نسبة واسعة من المدارس الابتدائية يعكس توجها نحو تحسين جودة التعلمات الأساسية، والارتقاء بمخرجات المنظومة التعليمية.
أما في ما يتعلق بالتشغيل، فإن التحدي يكتسي طابعاً مركباً، حيث إن تحقيق التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل يظل رهيناً بمدى نجاعة السياسات الاقتصادية المعتمدة… ومن ثم، فإن اعتماد مقاربة شمولية تقوم على تحفيز الاستثمار، ودعم المقاولات، وتعزيز التكوين، يمثل خياراً استراتيجياً، غير أن فعاليته تظل مرتبطة بمدى قدرته على خلق فرص شغل حقيقية ومستدامة.
وفي سياق موازٍ، يحتل الاستثمار العمومي موقعاً محورياً ضمن هذه البرمجة، باعتباره محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي، خاصة في ظل استمرار التحديات التي تواجه الاستثمارات الخاصة… حيث إن مواصلة المشاريع الكبرى للبنية التحتية، في مجالات الماء والطرق والسكك الحديدية والموانئ، تعكس إرادة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتهيئة الشروط الملائمة لجذب الاستثمارات.
كما يندرج تسريع التحول الرقمي ضمن الأولويات الاستراتيجية، في إطار رؤية تسعى إلى تحديث الإدارة وتحسين جودة الخدمات العمومية، حيث إن اعتماد الرقمنة لم يعد خياراً تقنياً، وإنما ضرورة تفرضها التحولات العالمية… وبالتالي، فإن الرهان يكمن في مدى قدرة المنظومة الإدارية على استيعاب هذا التحول، وتوظيفه بشكل فعال.
غير أن هذه الطموحات تصطدم بسياق اقتصادي دولي يتسم بعدم الاستقرار، حيث إن التوترات الجيوسياسية وتباطؤ النمو العالمي يفرضان تحديات إضافية على الاقتصادات الوطنية… إذ تشير التوقعات إلى تسجيل نسب نمو معتدلة على المستوى العالمي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على دينامية الاقتصاد الوطني.
وعلى الصعيد الداخلي، ورغم المؤشرات الإيجابية المرتبطة بتحسن النشاط الفلاحي وبعض القطاعات غير الفلاحية، فإن تحقيق معدلات نمو مستقرة يظل رهيناً بعدة عوامل، من بينها استقرار الظرفية المناخية، وتحسن الطلب الخارجي، وتعزيز الاستثمار… كما أن الحفاظ على معدلات تضخم معتدلة وتقليص عجز الميزانية يندرج ضمن التوازنات الدقيقة التي يتعين تدبيرها بحذر.
وفي هذا السياق، يبرز توجه نحو اعتماد نوع من التقشف في تدبير النفقات العمومية، خاصة تلك المرتبطة بالمصاريف الإدارية ونفقات التسيير، حيث يتم التأكيد على ضرورة عقلنتها وضبطها… غير أن هذا الخيار يثير تساؤلات حول مدى تأثيره على جودة الخدمات العمومية، خاصة في القطاعات الحيوية التي تعاني أصلاً من ضغط متزايد.
كما أن تحسين فعالية نفقات الاستثمار يظل من بين التحديات الكبرى، حيث إن إعطاء الأولوية للمشاريع الاستراتيجية وتسريع وتيرة إنجازها يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المرجو… إضافة إلى ذلك، فإن اعتماد مقاربة تشاركية وترابية في إعداد البرامج التنموية يعكس وعياً بأهمية إشراك الفاعلين المحليين في صياغة السياسات.
وفي بعده الاجتماعي، يتعزز توجه نحو إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في إعداد الميزانية، من خلال ربط الاعتمادات المالية بأهداف تتعلق بتقليص الفوارق بين الجنسين… كما أن اعتماد وسم ميزانياتي من منظور مناخي يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية إدماج البعد البيئي في السياسات العمومية.
أما على مستوى المساطر، فإن تحديد آجال دقيقة لإعداد ومناقشة مقترحات القطاعات، واعتماد أنظمة معلوماتية حديثة لتدبير الميزانية، يعكس توجها نحو تحديث الإدارة وتعزيز الشفافية… غير أن نجاح هذه الإجراءات يظل رهيناً بمدى انخراط مختلف المتدخلين، وقدرتهم على تجاوز منطق التدبير التقليدي.
وفي خلفية هذه البرمجة، يلوح رهان آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الاستعداد لاحتضان تظاهرات كبرى في أفق 2030، وهو ما يفرض تعبئة موارد إضافية وتوجيه استثمارات مهمة نحو البنية التحتية… وبالتالي، فإن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين متطلبات هذا الورش الكبير، وضمان استمرارية تمويل السياسات الاجتماعية.
وفي المحصلة، فإن الحكامة المالية لميزانية 2027–2029 تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة النموذج التدبيري على تحقيق التوازن بين الطموح والإمكان، وبين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي… حيث إن نجاح هذا المسار يظل مرتبطاً بمدى ترجمة الاختيارات المعلنة إلى نتائج ملموسة، تعزز ثقة المواطن في السياسات العمومية، وتكرس فعلياً مقومات الدولة الاجتماعية في بعدها الواقعي، بعيداً عن الشعارات أو التقديرات النظرية.

