العلوي رجاء
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُستخدم في الهواتف الذكية ومحركات البحث، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أكثر الملفات حساسية في معادلات السياسة الدولية والأمن القومي، وسط سباق محموم بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة على التكنولوجيا التي يُتوقع أن تعيد رسم موازين القوة العالمية خلال العقود المقبلة.
وباتت كبرى القوى الدولية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ركيزة استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة أو التسلح أو النفوذ الاقتصادي، خاصة مع توسع استخداماته في المجالات العسكرية والاستخباراتية والسيبرانية والإعلامية.
وتشير تقارير وتحليلات غربية حديثة، من بينها ما نشرته بلومبيرغ ووول ستريت جورنال، إلى أن الصراع لم يعد يتعلق فقط بتطوير أفضل التطبيقات أو المنصات الرقمية، بل بمن يفرض المعايير والقواعد التي ستتحكم في مستقبل الاقتصاد العالمي والأمن الدولي.
وفي هذا الإطار، تعمل الولايات المتحدة على فرض قيود متزايدة على تصدير الرقائق الإلكترونية والتقنيات المتقدمة إلى الصين، بهدف إبطاء تقدمها في هذا المجال، بينما تضخ بكين مليارات الدولارات لتطوير نماذج محلية وتقليص اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.
لكن المخاوف الدولية لا ترتبط فقط بالمنافسة بين القوتين، بل أيضا بالطبيعة المتسارعة لتطور الأنظمة الذكية، القادرة على التعلم الذاتي واتخاذ قرارات شبه مستقلة، ما يثير تساؤلات عميقة حول قدرة الحكومات على التحكم في هذه التقنيات مستقبلا.
ويحذر خبراء في أخلاقيات التكنولوجيا والأمن السيبراني من أن غياب إطار قانوني عالمي واضح قد يفتح الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في حملات التضليل الإعلامي والتلاعب بالرأي العام والهجمات الإلكترونية المعقدة، فضلا عن تطوير أنظمة قتالية مستقلة قد تخرج عن السيطرة البشرية.
وفي مواجهة هذه التحديات، بدأت شركات تكنولوجية أمريكية كبرى التعاون مع السلطات الفيدرالية لاختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل طرحها للاستخدام العام، بهدف تقييم المخاطر الأمنية والأخلاقية المحتملة.
غير أن هذا التوجه يثير بدوره جدلا متزايدا، بسبب مخاوف من تضارب المصالح، في ظل النفوذ المتنامي لشركات التكنولوجيا داخل دوائر صنع القرار والتنظيم.
ورغم حدة التنافس، كشفت تقارير حديثة عن وجود توجه أمريكي-صيني لإطلاق حوار رسمي بشأن الذكاء الاصطناعي، لتفادي انزلاق السباق التكنولوجي نحو أزمة أمنية عالمية، خاصة في الجوانب العسكرية والسيبرانية.
وتشمل النقاشات المقترحة إنشاء قنوات اتصال دائمة وآليات تنسيق للتعامل مع الأزمات المرتبطة باستخدام الأنظمة الذكية، في خطوة تعكس إدراكا متزايدا لدى القوتين بأن هذه التكنولوجيا قد تصبح أخطر من أن تُترك لمنطق المنافسة المفتوحة فقط.
في المقابل، تتصاعد الدعوات داخل الأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى لوضع قواعد عالمية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، على غرار الاتفاقيات المتعلقة بالأسلحة النووية والتقنيات الحساسة.
لكن الانقسام السياسي بين القوى الكبرى، واختلاف الرؤى حول مفهوم “الحوكمة العالمية”، قد يجعل الوصول إلى اتفاق دولي شامل أمرا معقدا، خاصة مع تخوف بعض الدول من أن تتحول القوانين التنظيمية إلى أدوات جديدة للهيمنة السياسية والاقتصادية.
ومع استمرار هذا السباق المتسارع، يبدو أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة، لم يعد فيها السؤال المطروح هو: من سيقود ثورة الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سيتمكن البشر من التحكم في هذه الثورة قبل أن تتحول إلى تهديد يصعب احتواؤه؟
