ياسين حجي
صراع الروايات بين ضفتين
يوم الأحد الثاني من غشت 2026، عند مدخل مدينة الفنيدق، بالقرب من معبر “باب سبتة“، وبعد انقشاع غبار أحداث الاقتحام الأخير، تتناسل الروايات الرسمية وغير الرسمية؛ لتطرح تساؤلات عميقة حول الكيفية، الأسباب، والتداعيات على مستقبل العلاقات بين البلدين.
المشهد الإعلامي والسياسي يبدو منقسماً بوضوح بين الضفتين:
في الجانب الإسباني: نجد دولة يسارع مسؤولوها الرسميون لمنح تصريحات صحفية مكثفة، ويتواصلون بشتى الطرق لتوضيح الصورة العامة. تبرز هنا وجهات نظر متباينة تعكس صراع التيارات السياسية المحلية والمركزية.
في الجانب المغربي: اتسم الموقف الأولي بالاكتفاء بما تفرزه التحليلات وروايات منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب شهادات الحالمين بالهجرة؛ أولئك الذين عادوا طوعاً بعد ليلة أو ليلتين، أو حتى بعد ساعتين فقط من دخول الثغر المحتل. عادوا خائبين، يطاردون شبح الجوع والهلع الذي عاشوه في الجانب الإسباني.
مساء اليوم ذاته، وبعد عودة الهدوء والاستقرار إلى المنطقة، خرج الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية ليقدم الرواية الرسمية. روايةٌ قلصت بشكل كبير من حجم الأرقام التي روجت لها الإدارة الإسبانية؛ أرقامٌ بدا واضحاً أنها خضعت لمزايدات السباق السياسي بين اليمين واليسار هناك، خاصة وأن ملف الهجرة يُعد من أكثر القضايا استقطاباً بين اليسار الحاكم، واليمين الذي يُحكم قبضته على الثغور المحتلة.
“الطريق إلى الفنيدق: عسكرة هادئة وغياب مفاجئ“
في طريقنا نحو أحد المآوي السياحية بمحيط الفنيدق، كانت معالم المدينة توحي بحياة عادية، لولا الحضور البارز للتعزيزات الأمنية. وحدات متنقلة للدرك الملكي، وأخرى تابعة للأمن الوطني والقوات المساعدة، ترابط كعادتها في الغابات المحيطة لمراقبة تحركات المهاجرين المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ولا سيما الأشقاء السودانيين الذين يقيمون بشكل شبه دائم في غابات “جبل موسى”، “بليونش”، و”بني مزالة”.
بمجرد وصولنا إلى المأوى، لاحظنا غياباً غير معتاد لعمال المكان. أصحاب المأوى أوضحوا لنا الحقيقة: (العمال رحلوا نحو سبتة ولم يعودوا بعد.
قبل سنة من الآن، اشتكى لي عدد من هؤلاء العمال من التداعيات القاسية لإغلاق معبر سبتة. كان “التهريب المعيشي” عصب حياتهم اليومية، واليوم، تبدو الحلول الحكومية لتعويضهم وتطوير واقعهم المعيشي غائبة.

رغم تفهمهم للمنطق المغربي الساعي لفرض سيادة الكرامة قبل كل شيء، إلا أنهم يرون في سبتة “قدراً حتمياً” وجزءاً لا يتجزأ من الوطن، وإن اختلفت طريقة التدبير جذرياً. ما يؤلم أبناء الفنيدق حقاً هو التحول الاقتصادي القاسي؛ فقد انتقلت عائدات التجارة بالمعبر من جيوب 5000 مواطن بسيط، لتتمركز في أيدي 5 أشخاص فقط يمتلكون رؤوس الأموال، تاركين أبناء المنطقة يواجهون فراغاً اقتصادياً خانقاً.
في السوق: “سبتة ماشي سباتة”
داخل السوق المحلي، بدأت الحياة الطبيعية تستعيد نبضها مع دخول السلع، رغم النقص الملحوظ في بعض المواد الأساسية. وبينما كنا نتبضع، لفت انتباهنا غياب “الخبز البلدي“. حين تساءلنا عن السبب، أجابنا شاب بلكنة “بهجاوية” خالصة، مؤكداً أن أغلب صناع هذا الخبز قد عبروا نحو سبتة.
ملامح الفتى المراكشي كانت توحي بأنه واحد ممن خاضوا تجربة العبور وفضلوا العودة. بادرته بالسؤال عن سبب رجوعه، فكانت إجابته ملخصة في كلمة واحدة: “الجوع“.
ابتسمتُ وسألته ممازحاً عن منطقته في مراكش، فأجاب: “العزوزية“.
قلت له: “سير راه دارو حداكم المحطة” (اذهب، لقد افتتحوا محطة طرقية قربكم).
فردّ ببديهة حاضرة وسخرية مريرة:
“راه كنت باغي سبتة… ماشي سباتة!“
استراحة المحارب: خلف البذلة العسكرية
في معظم المطاعم الشعبية ب “الفنيدق“، تلمح شباباً بصحة جيدة، بشوارب خفيفة، وهندام صيفي مرتب بعناية مع حلاقة ذقن حديثة. يقف عدد منهم في طوابير أمام الشبابيك الإلكترونية للبريد لسحب أموالهم. إنهم عناصر الأمن، الدرك، والقوات المساعدة؛ جاؤوا ليرتاحوا أخيراً بعد ثلاثة أيام عصيبة من الاستنفار.
لا يظهر على وجوههم أي تذمر من قسوة الواجب. يتبادلون الابتسامات؛ هم في النهاية “أبناء الشعب“، يحملون سحنات مغربية مختلفة، شباب في عمر الورد اختاروا أن يكونوا فداءً للوطن.
“رماد الحقيقة“
دفعني الفضول للبحث عن الحافلات والسيارات التي طالتها النيران خلال الأحداث. وجدتها أخيراً؛ حافلتان وعدد من السيارات المحترقة المتراكمة فوق بعضها البعض. المشهد هناك يلخص المأساة: شخص يجمع بقايا الخردة من الأرض، وآخر يتسلق هيكل حافلة محترقة ليسحب النحاس من مكيفاتها.. فهو الشيء الوحيد الصالح للبيع وسط هذا الخراب.
ستبقى هذه السيارات المحترقة شاهداً صامتاً على أحداث طرحت الكثير من الأسئلة، “أسئلة جوابها سياسي بامتياز وليس أمنياً فحسب”. فلا المغرب ولا إسبانيا قالتا الحقيقة كاملة؛ اكتفوا بتبادل الأرقام وسرد الأسباب، تاركين الحقيقة يتيمة، لا شاهد عليها سوى من عاشها.