أثار ملف ناصر الزفزافي، الذي برز اسمه خلال الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها مدينة الحسيمة وعدد من مناطق المملكة بين سنتي 2016 و2017، نقاشاً واسعاً داخل المغرب وخارجه، بين من اعتبر الأمر مرتبطاً بحرية الاحتجاج والتعبير، ومن رأى أن القضية تتعلق بأفعال مجرّمة قانوناً تستوجب المتابعة القضائية والعقاب.
ومن الناحية القانونية، فإن الدولة المغربية تعاملت مع الملف باعتباره قضية ترتبط بأفعال وتصرفات رأت فيها السلطات تجاوزاً للقوانين الجاري بها العمل، خاصة بعد انتقال الاحتجاجات من المطالب الاجتماعية والتنموية إلى مواجهات ميدانية وتوترات مع السلطات العمومية و إنفلات أمني.
وتعود الشرارة الأولى للاحتجاجات إلى حادث وفاة بائع السمك محسن فكري بمدينة الحسيمة سنة 2016، وهو الحادث الذي خلّف موجة غضب واسعة ومطالب اجتماعية مرتبطة بالتنمية والصحة والشغل والبنيات التحتية. غير أن تطور الأحداث لاحقاً دفع السلطات إلى التدخل بعد تسجيل وقائع اعتُبرت مخالفة للقانون.
ومن أبرز الوقائع التي عجّلت بإصدار مذكرة بحث وتوقيف في حق ناصر الزفزافي، حادثة مقاطعته خطيب الجمعة داخل أحد مساجد الحسيمة خلال إلقاء خطبة الجمعة، وهو الفعل الذي اعتبرته السلطات مساساً بحرمة المسجد وعرقلة لسير الشعائر الدينية، وهي أفعال يجرمها القانون المغربي.
كما رأت النيابة العامة أن بعض الخطابات والشعارات التي رافقت الاحتجاجات تضمنت عبارات وتصرفات تمس بالمؤسسات وتؤثر على النظام العام، إضافة إلى تسجيل مواجهات ميدانية بين محتجين وعناصر القوات العمومية، نتجت عنها إصابات وخسائر مادية.
وبعد توقيفه يوم 29 ماي 2017، تمت إحالة الزفزافي وعدد من المتابعين معه على أنظار القضاء، حيث وُجهت إليهم تهم جنائية متعددة وفق مقتضيات القانون الجنائي المغربي، من بينها المس بالأمن الداخلي للدولة، وعرقلة حرية العبادة، وإهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بمهامهم، والمشاركة في أعمال نتج عنها المساس بالنظام العام.
كما تضمن ملف المتابعة شبهة تلقي دعم مالي من الخارج قصد استغلاله في أنشطة اعتبرتها النيابة العامة ذات تأثير على استقرار البلاد ووحدتها الوطنية، وهي التهم التي شكلت محور التحقيقات والمحاكمة التي استمرت أشهراً طويلة أمام غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء.
وفي يونيو 2018، أصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن النافذ في حق عدد من المتابعين، من بينهم ناصر الزفزافي الذي أدين بعشرين سنة سجناً نافذاً، قبل أن يتم تأييد الحكم استئنافياً ثم من طرف محكمة النقض، ليصبح حكماً نهائياً واجب التنفيذ وفق المساطر القضائية المعمول بها بالمغرب.
ويؤكد متابعون للشأن القانوني أن الأصل في دولة المؤسسات هو خضوع الجميع للقانون، سواء تعلق الأمر بمواطن عادي أو ناشط أو مسؤول، وأن حرية التعبير والاحتجاج يكفلها الدستور المغربي، لكنها تبقى مقيدة باحترام النظام العام والمؤسسات والقوانين الجاري بها العمل.
وفي المقابل، يرى حقوقيون أن بعض المطالب الاجتماعية التي رفعتها الاحتجاجات كانت مشروعة، بدليل إطلاق مشاريع تنموية لاحقاً بالمنطقة، غير أن ذلك لا يلغي من الناحية القانونية مسؤولية أي شخص ثبت تورطه في أفعال يعاقب عليها القانون.
ويبقى الملف، رغم اختلاف القراءات السياسية والحقوقية حوله، قضية عالجها القضاء المغربي وفق القوانين الوطنية والمساطر القضائية المعمول بها، في إطار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مع التأكيد على أن الفصل النهائي في مثل هذه القضايا يظل من اختصاص السلطة القضائية وحدها.
