أعاد الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية من السنة التشريعية، ملف الهجرة إلى واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي، من خلال التأكيد على رفض المغرب توظيف هذا الملف وسيلة للضغط أو الابتزاز، والتشديد على ضرورة إعادة النظر في نموذج التعاون القائم مع عدد من الشركاء، خصوصا إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
وشدد صاحب الجلالة على أن الشراكة في مجال الهجرة تظل اختيارا سياديا والتزاما إراديا، لا يمكن أن يكون موضوع ضغط أو تهديد، داعيا إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على المسؤولية المشتركة بين دول الانطلاق والعبور والاستقبال، وتربط تدبير الهجرة بالتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، أعلن صاحب الجلالة أن المغرب سيقدم إلى شركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تروم إرساء أسس جديدة للتعاون في مجال الهجرة، بما يتجاوز التدبير الظرفي للأزمات، ويفتح المجال أمام معالجة أعمق لأسبابها الاقتصادية والاجتماعية.
من المقاربة الأمنية إلى المسؤولية المشتركة
يرى عبد الفتاح الزين، منسق الشبكة الإفريقية للهجرة والتنمية، أن مضامين الخطاب الملكي تطرح إشكالية أساسية تتعلق بالعلاقة بين السيادة الوطنية والمسؤولية المشتركة في تدبير الهجرة، مبرزا أن المغرب، بحكم تاريخه وتنوعه الثقافي، يعد بلدا تشكلت هويته عبر التفاعل مع الهجرات المختلفة.
وأوضح الزين، في تصريح لجريدة هسبريس، أن قوانين الهجرة تدخل ضمن الاختصاصات السيادية للدول، غير أن تدبير هذه الظاهرة يظل مرتبطا أيضا بالمواثيق الدولية وبضرورة التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية.
واعتبر أن الأزمات المتكررة كشفت محدودية النموذج الحالي للتعاون الدولي، خصوصا عندما ينحصر في مراقبة الحدود والتدابير الأمنية، دون توزيع متوازن للمسؤوليات أو معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع الأشخاص إلى الهجرة.
وبحسب المتحدث ذاته، فإن المقاربة التي يدعو إليها الخطاب الملكي تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: الاعتراف بمحدودية النموذج القائم، وإعادة تعريف الشراكة على أساس المسؤولية الثلاثية، ثم ربط تدبير الهجرة بالتنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي.
كما أثار الزين مسألة استقطاب الكفاءات المغربية من طرف عدد من الدول الأوروبية، معتبرا أن أي شراكة متوازنة ينبغي أن تراعي كلفة تكوين هذه الكفاءات وانعكاسات هجرتها على بلدانها الأصلية، إلى جانب احترام حقوق الأفراد في التنقل والعمل.
المغرب يرفض دور حارس الحدود بالنيابة
من جانبه، أكد العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الخطاب الملكي يحدد الإطار الذي يريد المغرب أن يحكم علاقاته مع إسبانيا والشركاء الأوروبيين في مجال الهجرة، من خلال الجمع بين الالتزام بالتعاون الدولي والتمسك بالسيادة الوطنية ورفض الضغوط السياسية والإعلامية.
وأوضح الوردي، في تصريح لهسبريس، أن المغرب لا يتعامل مع الهجرة باعتباره مكلفا بتدبير الحدود نيابة عن الآخرين، بل انطلاقا من التزاماته الدولية وعلاقاته الثنائية، وفي إطار التعاون مع الدول المعنية.
وأضاف أن الوثيقة الاستراتيجية المرتقب تقديمها إلى الشركاء يمكن أن تشكل أرضية لتوضيح أولويات المغرب ومبادئه في تدبير الهجرة غير النظامية، وتحديد مجالات التعاون الممكنة بما يراعي المصالح المشتركة ويعزز قدرة المملكة على المساهمة في صياغة السياسات الدولية ذات الصلة.
وشدد المتحدث على أن الرسالة الأساسية تتمثل في رفض استغلال ملف الهجرة لخدمة حسابات سياسية داخلية في دول أخرى، أو تحويل التعاون الأمني إلى أداة للضغط على المغرب.
شراكة جديدة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي
يأتي هذا التوجه في سياق علاقات متشعبة بين المغرب وإسبانيا، تشمل التعاون الأمني والاقتصادي والتجاري، إلى جانب التنسيق في مراقبة الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر. غير أن تكرار أزمات الهجرة يعيد طرح أسئلة بشأن مدى قدرة النموذج الحالي على الاستجابة للتحديات المتجددة.
ويبرز الخطاب الملكي، وفق القراءات التي قدمها الخبراء، أن استمرار التعاون يقتضي الانتقال من منطق تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى بناء شراكة طويلة الأمد، تتوزع فيها المسؤوليات بين بلدان المنشأ والعبور والاستقبال، مع إيلاء أهمية أكبر للتنمية وفرص العمل وحماية الحقوق.
كما يفتح هذا التوجه النقاش بشأن كلفة الأدوار التي يضطلع بها المغرب في تدبير تدفقات الهجرة، وضرورة أن يواكب التعاون الأمني دعم اقتصادي وتنموي يتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق مختلف الأطراف.
وبذلك، لا يقتصر مضمون الخطاب الملكي على تجديد التأكيد على موقف المغرب من الهجرة، بل يطرح توجها لإعادة تنظيم الشراكة مع الدول المعنية على أسس أكثر توازنا، تجعل السيادة الوطنية والمسؤولية المشتركة والتنمية عناصر مترابطة في أي تسوية مستدامة لهذا الملف.
