في سياق ثقافي يتجدّد مع كل موسم رمضاني، ويكتسب فيه الفعل الكتابي بعدًا تأمليًا واضحًا، يُعلن عن صدور كتاب «هذا الوقت سيمضي» للكاتب والباحث المغربي حبيل رشيد، وهو الإصدار السادس ضمن سلسلته الإلكترونية التي دأب على إطلاقها في شهر رمضان من كل عام، بما يعكس انتظامًا واعيًا، واستمرارية مقصودة، ومسارًا فكريًا يتعزز بالتراكم ويتأكد بالمواظبة ويتعمّق بالمراجعة السنوية المنضبطة.
وكما أن شهر رمضان يشكل محطة مراجعة دقيقة للنفس، وفرصة لإعادة ترتيب الأولويات، ومساحة لإعادة تثبيت القيم في ظل إيقاع يومي متسارع، فإن صدور هذا الكتاب في هذا التوقيت تحديدًا يحمل دلالة منسجمة مع مضمونه، إذ يتناول فكرة الزمن من زاوية إنسانية تحليلية، ويعالج التحولات التي يمر بها الفرد في لحظات الانتظار والضغط والتردد، مؤكدًا بشكل واضح ومباشر أن المراحل مهما اشتدت وطالت تظل خاضعة لقانون التبدّل، وأن التجربة مهما بدت معقدة تحمل في داخلها إمكانية الفهم والنضج وإعادة البناء.
وإن هذا العمل، من حيث بنيته السردية، يجمع بين القصة القصيرة ذات الامتداد الواقعي، وبين القراءة التحليلية التي تتجاوز حدود الحكاية لتصل إلى استخلاص الدرس وترسيخ العبرة، بحيث تتحول الوقائع اليومية البسيطة إلى مادة للتأمل المنهجي، ويتحوّل الحدث العابر إلى محطة لفهم أعمق للذات والواقع، وبالتالي فإن الكتاب لا يكتفي بعرض مشاهد إنسانية مألوفة، وإنما يعيد صياغتها ضمن رؤية فكرية منضبطة تؤكد المعنى وتثبته في ذهن القارئ بصورة متدرجة وواضحة.
وعلاوة على ذلك، فإن اختيار الصيغة الإلكترونية يعكس إدراكًا دقيقًا لتحولات النشر المعاصر، كما يؤكد انخراط المؤلف في فضاء القراءة الرقمية التي أصبحت تتيح انتشارًا أوسع ووصولًا أسرع وتفاعلًا أكبر، ومنه فإن هذا الإصدار لا يمثل مجرد نص جديد يُضاف إلى رصيد الكاتب، وإنما يشكل خطوة متقدمة في مسار يراهن على المعرفة المتاحة، وعلى الكلمة التي تصل إلى القارئ دون حواجز مادية أو زمنية، وبما يتلاءم مع متطلبات العصر وإيقاعه المتسارع.
وكذلك فإن عنوان الكتاب ذاته يحمل صيغة تقريرية حاسمة، إذ إن عبارة «هذا الوقت سيمضي» تتضمن تأكيدًا مباشرًا لحقيقة وجودية ثابتة، وتقدم رسالة واضحة مفادها أن اللحظات المثقلة بالقلق أو الانتظار أو الإحباط تخضع لحركة الزمن المستمرة، وأن التغير سنة جارية في مسار الإنسان، ومن ثم فإن العنوان لا يكتفي بوصف حالة، وإنما يقرر قانونًا، ويثبت معنى، ويؤسس لرؤية متكاملة يتفرع عنها مضمون النصوص كافة.
ثم إن استمرار حبيل رشيد في إصدار كتاب إلكتروني كل رمضان يؤشر إلى مشروع ثقافي يتسم بالانتظام والانضباط، ويتعزز عامًا بعد عام من خلال تراكم التجربة وتطور المعالجة واتساع الأفق الفكري، بحيث يشكل هذا الإصدار السادس امتدادًا طبيعيًا لما سبقه، وفي الوقت ذاته يمثل مرحلة أكثر نضجًا من حيث البناء اللغوي والطرح التحليلي وترتيب الأفكار، وهو ما يعكس تطورًا ملحوظًا في مسار الكاتب ويؤكد أن العملية الإبداعية هنا قائمة على وعي وتخطيط واستمرارية.
كما أن اللغة المعتمدة في هذا الكتاب تتسم بالوضوح المنهجي والتركيز الدلالي، حيث تُعرض الفكرة بصورة مباشرة، ويأتي التحليل منظمًا، وتُقدَّم الخلاصة بصيغة مثبتة تؤكد المعنى وتعيد ترسيخه، وبالتالي يجد القارئ نفسه أمام نصوص تمنحه مساحة للتأمل الواعي، وتدعوه إلى إعادة النظر في تصوراته حول الزمن والتحول والانتظار، ضمن إطار لغوي متوازن يجمع بين البساطة المحكمة والعمق المقصود.
ومن هنا، فإن صدور كتاب «هذا الوقت سيمضي» في رمضان 2026 لا يُقرأ بوصفه حدثًا معزولًا، وإنما يُفهم ضمن سياق مسار متواصل يتقاطع فيه البعد الروحي مع الطرح الفكري، ويتداخل فيه التأمل الذاتي مع التحليل الواقعي، وبذلك يعزز هذا الإصدار حضور الكتاب الإلكتروني في المشهد الثقافي، ويؤكد أن الكتابة حين ترتبط بزمن دلالي واضح، وتقوم على فكرة ثابتة، وتستند إلى معالجة منضبطة، تصبح فعلًا معرفيًا مستمرًا يتجدد مع كل عام ويتأكد مع كل إصدار.

