يواصل المغرب تنفيذ استراتيجيته الرامية إلى تعزيز موقعه ضمن خريطة التجارة البحرية العالمية، من خلال تطوير منظومة مينائية متكاملة تجمع بين الموانئ الكبرى والأنشطة الصناعية واللوجستية والطاقية، في مسار انطلق مع مشروع طنجة المتوسط سنة 2002، ويتواصل اليوم مع اقتراب دخول الناظور غرب المتوسط حيز الاستغلال، وإطلاق مرحلة جديدة من توسعة المركب المينائي بطنجة عبر مشروع “طنجة المتوسط 3”.
وتعكس المشاريع الثلاثة امتداد رؤية استراتيجية تتجاوز بناء الأرصفة والمحطات المينائية، لتشمل تقوية تنافسية الاقتصاد الوطني، وتوسيع قدرات المملكة على استقطاب الاستثمارات، وتعزيز اندماجها في سلاسل التجارة والإنتاج الدولية، فضلا عن جعل البنيات التحتية الكبرى رافعة للتنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل بالمناطق المستضيفة.
وقد أعادت جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس، الأربعاء 28 أكتوبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، والمخصصة لتتبع تقدم أشغال المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط ومشروع توسعة طنجة المتوسط، تسليط الضوء على هذه الدينامية، من خلال استعراض مراحل إنجاز المشروعين والآفاق المرتبطة بتشغيلهما وتطوير قدراتهما.
من طنجة المتوسط إلى الناظور.. مسار يمتد لأكثر من عقدين
تعود بداية هذا المسار إلى 29 غشت 2002، حين ترأس الملك محمد السادس جلسة عمل خصصت لمشروع طنجة المتوسط، واضعا بذلك أسس ورش مينائي استراتيجي استهدف تعزيز اندماج المغرب في المبادلات التجارية الدولية، والاستفادة من الموقع الجغرافي للمملكة عند ملتقى الطرق البحرية بين أوروبا وإفريقيا.
وتواصل هذا التوجه من خلال جلسة عمل ترأسها الملك في 26 أبريل 2007، مهدت لتطوير قدرات مينائية إضافية على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، قبل أن تمتد الرؤية إلى جهة الشرق، عبر التعليمات الملكية الصادرة في 2 يوليوز 2009 بشأن إنجاز مركب الناظور غرب المتوسط، باعتباره مشروعا مندمجا يجمع بين الأنشطة المينائية والصناعية والطاقية.
وفي 28 يناير 2026، شكلت جلسة العمل التي ترأسها الملك بمدينة الدار البيضاء محطة جديدة لتتبع تقدم هذا الورش، الذي باتت محطته الأولى قريبة من دخول مرحلة الاستغلال، بما يفتح مرحلة جديدة في تطوير البنية الاقتصادية واللوجستية بجهة الشرق.
الناظور غرب المتوسط.. استثمارات بـ54 مليار درهم وقدرات بملايين الحاويات
بلغ حجم الاستثمارات العمومية والخاصة التي تمت تعبئتها لمشروع الناظور غرب المتوسط حوالي 54 مليار درهم، في مؤشر على حجم الرهان الاقتصادي المرتبط بهذا المركب، الذي لا يقتصر على النشاط المينائي، بل يشمل أيضا منصات صناعية ولوجستية وطاقية.
ومن المرتقب أن تدخل المحطة الأولى للحاويات حيز الاستغلال خلال الأيام القليلة المقبلة، بطاقة استيعابية تصل، عند اكتمال تجهيزها، إلى 3.5 ملايين حاوية سنويا، فيما ينتظر أن تدخل المحطة الثانية الخدمة في أبريل 2027، بطاقة إضافية تبلغ 1.8 مليون حاوية سنويا.
وبذلك، ستصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمحطتين إلى نحو 5.3 ملايين حاوية سنويا، بما يعزز قدرة الميناء على استقطاب حركة النقل البحري والمساهمة في تطوير أنشطة إعادة الشحن والخدمات اللوجستية بالواجهة المتوسطية للمملكة.
ولا يقتصر المشروع على الجانب التجاري، إذ يتضمن مكونا طاقيا مهما، من خلال محطة للمحروقات ومنشآت للتخزين تصل طاقتها المحتملة إلى أربعة ملايين متر مكعب، فضلا عن محطة للغاز الطبيعي المسال قادرة على معالجة ما يصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنويا، وهو ما يندرج ضمن توجه المملكة إلى تعزيز أمنها الطاقي وتنويع بنياتها التحتية المرتبطة بالاستيراد والتخزين.
طنجة المتوسط 3.. مرحلة جديدة لتوسيع الحضور في التجارة العالمية
وبموازاة تقدم مشروع الناظور، يستعد المركب المينائي طنجة المتوسط لدخول مرحلة جديدة من التوسع، من خلال إطلاق مشروع “طنجة المتوسط 3″، الذي يرتقب أن يضيف قدرة استيعابية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنويا.
ويأتي هذا المشروع امتدادا للتطور الذي عرفه ميناء طنجة المتوسط منذ إطلاقه، وتعزيزا لموقعه ضمن المراكز الدولية الكبرى للنقل البحري وإعادة الشحن. وعلى المدى البعيد، من المنتظر أن تصل الطاقة الإجمالية للمركب إلى نحو 20 مليون حاوية سنويا، بما يدعم طموح المغرب إلى تعزيز حضوره ضمن أكبر الموانئ العالمية من حيث مناولة الحاويات.
التشغيل والتكوين.. الرهان الاجتماعي للمشاريع الكبرى
ورغم أهمية الأرقام المرتبطة بالاستثمارات والقدرات المينائية، فإن الأثر المنتظر لهذه المشاريع لا يقاس فقط بحجم البنيات التحتية أو عدد الحاويات التي ستتم معالجتها، بل يمتد إلى قدرتها على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي بالمناطق المعنية، من خلال خلق فرص الشغل وتطوير الكفاءات وتحفيز الاستثمار المحلي.
وفي هذا السياق، شدد الملك محمد السادس خلال جلسة العمل الأخيرة على ضرورة أن تشمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع جميع الأقاليم المعنية، وأن تنعكس بشكل ملموس على الساكنة المحلية، داعيا إلى تسريع تفعيل برامج تكوينية تستجيب لحاجيات الأنشطة الاقتصادية الجديدة، بما يسهل إدماج الشباب في سوق الشغل.
وبحسب المعطيات التي قدمها المدير العام لميناء طنجة المتوسط، إدريس أعرابي، يرتقب أن يتيح المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، على المدى القريب، إحداث نحو 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر.
وأكد المسؤول أهمية مواكبة هذه الدينامية بآليات للتكوين المهني تتلاءم مع طبيعة الأنشطة التي ستنشأ بالمركب، حتى تتمكن الكفاءات المحلية، ولا سيما فئة الشباب، من الاستفادة من فرص العمل التي سيوفرها المشروع.
من جهته، أبرز المدير العام للناظور غرب المتوسط، محمد جمال بنجلون، أن المشروعين يندرجان ضمن الرؤية الرامية إلى تعزيز تموقع المغرب كقوة بحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وتطوير حضوره في الأنشطة المينائية واللوجستية والصناعية المرتبطة بالتجارة الدولية.
من البنية التحتية إلى التنمية الترابية
من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، وصولا إلى طنجة المتوسط 3، تتضح ملامح منظومة مينائية وطنية متعددة الأقطاب، تستثمر في الموقع الجغرافي للمغرب وفي ارتباطه بالأسواق الأوروبية والإفريقية والمتوسطية، وتسعى إلى تحويل هذا الامتياز إلى فرص اقتصادية واستثمارية مستدامة.
غير أن الرهان الأبرز خلال المرحلة المقبلة يتمثل في ضمان انتقال آثار هذه المشاريع من محيط الموانئ إلى الأقاليم والساكنة المجاورة، عبر تطوير شبكات النقل والربط اللوجستي، وتشجيع المقاولات المحلية، وتوفير تكوين يستجيب لحاجيات المستثمرين والمشغلين.
وبذلك، لا تقتصر أهمية هذه الأوراش على تعزيز القدرات المينائية للمملكة، بل ترتبط أيضا بمدى قدرتها على خلق قيمة مضافة محلية، وتوسيع فرص التشغيل، وتحقيق تنمية ترابية متوازنة، بما يجعل الانفتاح البحري رافعة للاندماج الاقتصادي وتعزيز مكانة المغرب في المبادلات الدولية.
