spot_img

ذات صلة

كل الاخبار

المغرب يحبط محاولة تسلل جماعي نحو سبتة.. والملف يتجاوز الهجرة إلى قضية السيادة

العلوي زكرياء تمكنت القوات العمومية المغربية، اليوم السبت، من...

إدريس شحتان يتجه إلى القضاء في مواجهة تدوينات أوزين.. عندما تصبح العدالة الفيصل

يتجه إدريس شحتان، مدير نشر مؤسسة "شوف تيفي" ورئيس...

تزنيت.. الأمواج تقذف 300 كيلوغرام من المخدرات بشاطئ أكلو

لفظت مياه المحيط الأطلسي شحنة من المخدرات الموجهة للتهريب...

في اللحظات الأخيرة.. نايف أكرد يتراجع عن الانتقال إلى ريال سوسيداد

انهارت صفقة انتقال الدولي المغربي نايف أكرد إلى ريال...

المغرب يوسع قائمة العقود المستثناة من مساطر الصفقات العمومية

الرباط – اتجهت السلطات المغربية نحو توسيع نطاق العقود...

المغرب يحبط محاولة تسلل جماعي نحو سبتة.. والملف يتجاوز الهجرة إلى قضية السيادة

العلوي زكرياء

تمكنت القوات العمومية المغربية، اليوم السبت، من إحباط أي محاولة لتسلل أو اختراق جماعي للمهاجرين غير النظاميين بمحيط مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، بعد رصد تجمع لنحو 300 مهاجر في المناطق الجبلية المحيطة بمدينة سبتة، معظمهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وقد ساهم الانتشار الأمني المكثف والمدروس، إلى جانب وسائل المراقبة والتدخل الميداني، في منع اقتراب هؤلاء من المدينة دون تسجيل مواجهات خطيرة أو خسائر مادية.

وتعكس هذه العملية مرة أخرى حجم الجهود التي تبذلها السلطات المغربية لحماية الحدود ومنع محاولات الهجرة غير النظامية، خصوصاً في ظل الدعوات التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم عمليات عبور جماعي باتجاه سبتة ومليلية. وقد اعتمدت المصالح الأمنية على تعبئة مختلف تشكيلات القوات العمومية، إلى جانب وسائل الرصد الجوي والتدخل اللوجستي، بما مكن من التعامل مع الوضع بشكل استباقي والحيلولة دون تكرار سيناريوهات أكثر خطورة.

ويأتي هذا التدخل في سياق أمني حساس، بعدما شهدت سبتة في نهاية يوليوز الماضي موجة عبور جماعي غير مسبوقة، خلفت عشرات الوفيات وأثارت جدلاً واسعاً داخل إسبانيا وعلى المستوى الأوروبي، قبل أن تعود السلطات المغربية إلى تشديد المراقبة على المناطق الحدودية وملاحقة المحرضين على الهجرة غير النظامية.

وفي المقابل، يطرح استمرار هذه الأزمات سؤالاً أعمق يتجاوز التدبير الأمني والهجرة غير النظامية، ويتعلق بالوضع التاريخي والسياسي لمدينتي سبتة ومليلية، إلى جانب عدد من الجزر والصخور الواقعة على السواحل المغربية والخاضعة للسيطرة الإسبانية.

فالمغرب، وهو يضطلع بمسؤولياته في حماية حدوده ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، لا يمكن أن يتخلى في الوقت نفسه عن حقه في طرح قضية الأراضي التي يعتبرها جزءاً من ترابه الوطني. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول سبتة ومليلية لا ينبغي أن يظل محصوراً في الجانب الأمني أو في تدبير تدفقات الهجرة، بل يجب أن يشمل أيضاً السؤال السياسي والتاريخي المتعلق بمستقبل هذه المناطق.

وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل الخطاب الذي تتبناه الحكومة الإسبانية بشأن حقوق الإنسان والقانون الدولي والقضية الفلسطينية. فقد أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مراراً مواقف بلاده الداعمة للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، كما جعل من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية جزءاً بارزاً من سياسته الخارجية. وفي المقابل، يظل من المشروع سياسياً وقانونياً أن يطرح المغرب، بالمنطق نفسه، مسألة استمرار الوجود الإسباني في سبتة ومليلية وبعض الجزر والصخور الواقعة قبالة السواحل المغربية، باعتبارها قضية سيادة وطنية ينبغي أن تجد طريقها إلى الحوار السياسي بين البلدين.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى توتر أو مواجهة، بل بطرح سؤال مشروع حول مدى انسجام الخطاب الحقوقي والقانوني مع استمرار واقع إقليمي يعود إلى مراحل تاريخية قديمة. فإذا كان مبدأ إنهاء الاحتلال واحترام سيادة الدول والشعوب يحظى بمكانة مركزية في الخطاب السياسي الإسباني تجاه قضايا دولية أخرى، فإن هذا المبدأ نفسه يظل قابلاً للنقاش عندما يتعلق الأمر بمدن وجزر وصخور توجد جغرافياً على السواحل المغربية.

وفي هذا السياق، فإن قوة الموقف المغربي لا تكمن فقط في الإجراءات الأمنية الميدانية، رغم أهميتها ونجاحها في منع محاولات الاقتحام الجماعي، وإنما أيضاً في القدرة على إدارة هذا الملف بمنطق هادئ ومتدرج يجمع بين حماية الحدود، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، والدفاع عن المصالح الوطنية، وفتح نقاش سياسي مسؤول حول مستقبل سبتة ومليلية وباقي الثغور والجزر المحتلة.

كما أن التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة والأمن لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن معالجة الملفات السياسية العالقة بين البلدين. فالمغرب يقوم بدور أساسي في حماية حدوده الجنوبية لأوروبا، ويتحمل أعباء أمنية وإنسانية كبيرة في مواجهة شبكات الهجرة والتهريب، وهو ما يجعل العلاقة بين الرباط ومدريد قائمة على مصالح مشتركة تقتضي معالجة مختلف القضايا العالقة بروح الواقعية والاحترام المتبادل.

وفي الوقت الذي تواصل فيه القوات العمومية المغربية أداء مهامها في حماية الحدود والتصدي لمحاولات الهجرة الجماعية، يبقى ملف سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة أحد الملفات التي تحتاج إلى رؤية سياسية بعيدة المدى، تضع في صلبها السيادة الوطنية، وحسن الجوار، واحترام القانون الدولي، بعيداً عن منطق الأزمات الظرفية.

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن المقاربة الأمنية وحدها لا تستطيع إنهاء الإشكالات المرتبطة بالمنطقة بشكل نهائي. أما الحل المستدام، فيتطلب معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للهجرة من جهة، وفتح نقاش سياسي هادئ حول الملفات الترابية العالقة من جهة أخرى، بما يضمن للمغرب حقوقه ومصالحه الوطنية، ويحافظ في الوقت نفسه على علاقات حسن الجوار والتعاون مع إسبانيا.

spot_imgspot_imgspot_img