مع حلول العاشر من شهر محرم من كل عام، تتحول العديد من المدن والقرى المغربية إلى فضاءات للاحتفال بطقوس شعبية متوارثة، تتنوع بين إشعال النيران المعروفة بـ”الشعالة”، ورش المياه في صباح عاشوراء أو ما يعرف بـ”زمزم”، إلى جانب شراء التعاريج واللعب والفواكه الجافة للأطفال.
ورغم أن عاشوراء في المرجعية الإسلامية ترتبط أساسا بصيام يوم العاشر من محرم، اقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الاحتفال بها في المغرب اكتسب مع مرور القرون خصوصيات ثقافية واجتماعية جعلتها تختلف عن مظاهر الاحتفاء في عدد من البلدان الإسلامية.
عاشوراء المغربية… تداخل الدين بالموروث الشعبي
يرى باحثون في الأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي أن جزءا من الطقوس المرتبطة بعاشوراء في المغرب لا يرتبط مباشرة بالنصوص الدينية، وإنما يمثل امتدادا لعادات وموروثات شعبية تعايشت مع الإسلام بعد دخوله إلى المنطقة، وأعيد تفسيرها داخل السياق الثقافي المغربي.
ويؤكد مختصون أن المجتمع المغربي عرف عبر تاريخه تراكما حضاريا وثقافيا ساهم في تشكل عدد من العادات الاحتفالية التي استمرت عبر الأجيال، مع اكتسابها دلالات جديدة بمرور الزمن.
“الشعالة”.. طقس احتفالي متعدد الدلالات
تعد “الشعالة” من أبرز المظاهر التي تميز عاشوراء في عدد من المناطق المغربية، حيث يتم إشعال نيران كبيرة يتجمع حولها الأطفال والشباب، بينما يقدم بعضهم على القفز فوقها وسط أجواء احتفالية.
ويربط عدد من الباحثين هذا الطقس بمعتقدات قديمة كانت تعتبر النار رمزا للتطهير والتجدد، وهي ممارسات عرفت لدى عدد من شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط قبل الإسلام، فيما يرى آخرون أنها أصبحت مجرد تقليد احتفالي فقد معناه الأصلي وتحول إلى عادة اجتماعية.
“زمزم”.. الماء بين اللعب والرمزية
في صباح عاشوراء، تنتشر عادة رش المياه بين الأطفال في عدد من المدن المغربية، وهي ممارسة تعرف شعبيا باسم “زمزم”.
ورغم أن التسمية تحيل على بئر زمزم بمكة، فإن عددا من الباحثين يرجحون أن عادة رش الماء تعود إلى طقوس زراعية قديمة كانت ترتبط بالخصوبة وتمني الخير والمطر، قبل أن تندمج تدريجيا في الاحتفال الشعبي بعاشوراء.
الفاكية والتعريجة… رموز للفرح
تحتل الفواكه الجافة، أو ما يعرف شعبيا بـ”الفاكية”، مكانة خاصة خلال عاشوراء، حيث تحرص الأسر المغربية على اقتنائها وتوزيعها على الأطفال، إلى جانب شراء التعاريج والدمى والألعاب.
ويرى باحثون أن هذه العادات أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة، بغض النظر عن أصولها التاريخية، وتحولت إلى مناسبة عائلية يترقبها الأطفال كل سنة.
هل لعاشوراء المغربية جذور يهودية أو أمازيغية؟
يؤكد عدد من المختصين أن المغرب عرف عبر تاريخه تعايش حضارات وثقافات متعددة، من بينها الثقافة الأمازيغية والمكون العبري، وهو ما انعكس على بعض العادات الاجتماعية.
وفي المقابل، يشدد مؤرخون على ضرورة التمييز بين الفرضيات الأنثروبولوجية وبين الوقائع التاريخية المؤكدة، إذ لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن جميع طقوس عاشوراء الحالية تعود مباشرة إلى تلك الموروثات، بقدر ما تعكس عملية تراكم ثقافي طويلة شهدتها المملكة عبر قرون.
من البارود إلى المفرقعات
عرف الاحتفال بعاشوراء خلال العقود الأخيرة تحولا ملحوظا، بعدما حلت المفرقعات والألعاب النارية محل عدد من وسائل الاحتفال التقليدية.
وأصبحت هذه الظاهرة تثير مخاوف متزايدة بسبب ما تخلفه من إصابات وحوادث، فضلا عن الإزعاج الذي تسببه للسكان، وهو ما يدفع السلطات كل سنة إلى إطلاق حملات لمراقبة بيع واستعمال المفرقعات المحظورة.
عاشوراء المغربية… تراث يحتاج إلى الترشيد
تبقى عاشوراء في المغرب مناسبة تجمع بين البعد الديني والموروث الشعبي، وتعكس خصوصية الثقافة المغربية التي تشكلت عبر قرون من التفاعل الحضاري.
غير أن عددا من الباحثين والفاعلين المدنيين يرون أن الحفاظ على هذا التراث يقتضي ترشيد بعض الممارسات التي أصبحت تشكل خطرا على السلامة العامة، مع الحفاظ في المقابل على الطابع الثقافي والاجتماعي الذي يميز هذه المناسبة داخل المجتمع المغربي.
